آخر الكلام ـ يكتبها: مرعي الحليان

الثلاثاء 16 شعبان 1423 هـ الموافق 22 أكتوبر 2002 بعد طيران لثلاث ساعات تقريبا، وبعد مراقبة مملة للشاشة التي تعرض مسار الرحلة، كان الاردن بلدا على الخريطة كالكبد في جسم الوطن العربي، وكانت كل فلسطين بأجزائها المحررة والسليبة تمتد على امتدادها كالرئة، ألوان الشاشة دقيقة، ومعالج الرحلة يظهر الطائرة بتفاصيلها في المسار، مرت على حائل، ثم انعطفت قبل العقبة، بانت غزة في ذلك الطرف. نحن نتجه الان الى الاردن، بلد عربي أحزن كثيرا لانني ازوره اليوم بعد ان تجاوزت الاربعين من عمري، نطقت اسمه في كتاب الجغرافيا باكرا، وحفظت تفاصيله وتضاريسه وعادات أهله ولهجتهم البدوية الدارجة من اصدقاء كثيرين يعيشون في بلدي. تأخرت هذه الزيارة كثيرا، كما ما زالت هناك اسماء بلدان عربية لم ارتع في شوارعها واشم انفاس أهلها الذين هم اهلي، ها هي الغربة إذن في الوطن، هذه الغربة التي تحدث عنها الشعراء والروائيون وكل من أدمنوها. في الطريق من المطار الى فندق القدس تبدت عمان العاصمة بيوتاً من الحجر الجيري الجميل، تنام على مرتفعات وهضاب وانخفاضات اودية قديمة. زميلي الذي يرافقني الجلوس في المقعد الخلفي علق على ركاب سيارة مرت بنا قائلا انظر «جنا في البلاد» الجماعة لابسين غتر وعقل وكنادير بيض واكوات ..حتى هذا الفندق مبني من الحجر الاردني. كنا اطفالا لحظتها في بلد قرأنا عنه في الطفولة وعشنا همومه منذ تلك المرحلة وحتى اليوم. رجل على طريق «الهاي وي» يجلس وامامه دلة معدنية لامعة تفوح منها رائحة القهوة، ولا تسألوني كيف وصلت لنا رائحة بنها ونحن ننطلق بسيارتنا نحو فندق القدس، بالفعل شممناها.. هذا الرجل يبيع فناجينه على المارة من اصحاب السيارات، انهم يتوقفون رغم السرعة على الطريق السريع، يتوقفون لانها القهوة العربية. الآن وانا اكتب هذه السطور نفكر انا وصديقي رفيق السفر ان نحظى بطلة على تراب فلسطين ولو من وراء الحدود والحواجز، فصديقنا الاردني اخبرنا اننا نستطيع ان نحظى بطلة من بعيد لو اننا كنا في اغوار اربد. قال زميلي، هل سنرى دبابات العدو والاسيجة التي ينحبس من خلفها اهلنا في فلسطين؟ أجبته بالتأكيد. قال: هل ستبكي؟ لماذا؟ قال: الى اليوم أهتف بعودتها فمن سيتمالك نفسه ومشاعره حينما يرى بعينه ترابها؟ كادت دمعتان تتسللان الينا.. فهربنا من الحديث الى أحوالها الان..قال: عرضوا خطة الطرق، ويقولون ان المراقبين الدوليين سيأتون ليشهدوا على جرائم العدو. صرخنا فجأة: اللعنة.. لا أحد يريد لهذا التراب ان يتحرر، انها اشكال مختلفة من القبض على حريته وخنقه. انتهى النهار من أول يوم في عمان الاردن.. البلد الذي أزوره للمرة الاولى.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات