أفراد أم ظاهرة؟ ـ بقلم: د. محمد الرميحي

الثلاثاء 16 شعبان 1423 هـ الموافق 22 أكتوبر 2002 اعتداء بالسلاح على جنود اميركان في فيلكا أثناء قيامهم بواجباتهم التدريبية وقتل أحدهم، ثم احتجاز مجموعة مشكوك في انتمائها للفاعلين قيد التحقيق، وبعدها احتجاز شاب صغير كان ينوى تفجير مبنى سكني كبير يقطن فيه أجانب من بينهم عسكريون اميركان، وتنقل وكالات الانباء أن وراء اعتداء جزيرة بالي المروع في إندونيسيا والذي راح ضحيته المئات من الأبرياء وراءه كويتي أيضا، وقبل ذلك كان الناطق الرسمي باسم تنظيم القاعدة التي روعت العالم حتى الآن هو كويتي،ثم يظهر التحريض العلني على مهاجمة الاميركان على موقع رسمي للإنترنت؟ السؤال الآن: هل كل هذا يحدث في جزر معزولة بعيدة عن الترابط من الأحداث التي ليس لها علاقة ببعضها، أم أنها تشكل ظاهرة سياسية، علينا أن نسبر غورها ونعرف أسبابها، وهي في يقيني لها علاقة بتثقيف طويل المدى اخذ من الوقت حقه ومن الموارد ما يحتاجه، وهو بالتالي يتوجب أن يواجهه تثقيف مخالف، قبل أن يحتاج إلى لجان تحقيق أو سجون أو معتقلات. من الثابت أن هذه الأعمال الإرهابية ضد رغبة الأغلبية في الكويت، فان كان الموضوع موضوع ديمقراطية فان الأغلبية في المجتمع الديمقراطي هي التي تقرر ما يصلح أو يرغب فيه المجتمع، وقد قررت من خلال مؤسساتها أن الجنود الاميركان موجودون برغبتها وموافقتها لتحقيق مصلحة عامة، وان كانت المصالح العليا هي المرجعية فان المصالح العليا للكويت التي خرجت من براثن غزو كامل وكاسح لأول مرة في تاريخها، كان لو استمر لأصبح الجميع بلا وطن، وكان السبب في التحرير و الوسيلة إليه هي القدرة العالمية ممثلة في الولايات المتحدة، مع أصدقاء عرب انتبهوا في الوقت المناسب أن الطوفان يمكن أن يصيبهم. أجندة ضبابية هذه المصالح حتمت وجود قوات أميركية تساعد في حماية الكويت من أي محاولة غدر جديدة. فأي المرجعيات يريد لنا هؤلاء أن نتبنى، أستطيع أن افهم أن يكون للبعض اعتراضات سياسية، وان يكون لديهم منغصات إدارية ومعيشية أو أن يكون لديهم اعتراضات ثقافية، و لكن الشرط المسبق لطرحها للنقاش أن يتحدثوا عنها من خلال أجندة سياسية ، واضحة ومفهومة، أما هذا الأجندة التي يعملوا من خلالها فاقل ما يقال عنها أنها أجندة مرتبطة بحبل سري مع القرون الوسطي، ضبابية في طرحها وعمومية في تناولها لمصالح الناس. أن كان الأمر هو اعتراض سياسي فعلى الأطراف أن تقدم برنامجها السياسي و أن تحتكم للجمهور العام، أما ما أعترض عليه بشدة هي أن تختطف العقيدة الإسلامية وتحتكر لتنصب هذه الفئة القليلة من الناس نفسها مفسرة وحيدة لها، وهو ما يعترض عليه كل عاقل، فالإسلام ليس لفئة مسلمة دون أخرى، كما انه لا يدعو للترويع و القتل العشوائي، كما لا يدعو لتعريض الأوطان بمجمل قاطنيها للتهلكة. المسكوت عنه في الجدل الدائر الأن هو عدم التصدي لمثل هذه الأعمال بقطع صلاتها نهائيا بالعقيدة السمحة، وبرفض مطلق أن يحتكر البعض تمثيل الإسلام، ومع الأسف، ونتيجة لتثقيف سلبي مضطرب بدأت بعض الأصوات في الصحافة وفي التلفزيون على امتداد الساحة العربية تنتقي بعض التصريحات الصادرة من موتورين أو من جماعات مقاطعة للعلم الحديث في تطور المجتمعات، والسياق العالمي في التطور العلمي و التقني، لتقول للعامة أن هناك (حربا ضد الإسلام) وهذا قول يريد به هؤلاء حشد العامة خلف اطروحات المتطرفين، فما نشاهده هو في حقيقته حرب مصالح، لا حرب اديان، لقد ترك حيز ضيق للمهام الثقافية التي يتوجب أن تتصدي لهذا الفكر الذي يضيق على الناس، وسقط من الحساب أن تعديل التوازن بين الفكر الشمولي وبين الانفتاح و التسامح وفهم الآخر، هو مدخل ثقافي، وخلت الساحة ممن يدعو إلى استنباط أشكال جديدة من النضال السياسي للخروج من المأزق الذي نواجهه في الكويت، كما تواجهه مجتمعات عربية كثيرة لأن لجوء البعض للعنف العشوائي، هو ظاهرة يجب أن تدرس من مدخلها الثقافي أولا، ثم السياسي، وآخر مداخلها هو الأمني. مواجهة الظاهرة أحد أسباب هذه الحيرة تجاه العنف المنظم هو أن القادة السياسيين تحدثوا بلغتين وبخطابين متناقضين فحولوا الحيرة إلى ارتباك، و امتنعت مؤسسات التعليم لدينا عن القيام بمهماتها، فقد فرغ التعليم من محتواه تفريغا كاملا، وأصبح الايمان بالخرافة وإعادة إنتاج العلاقات الاجتماعية المتخلفة هي أساس في التعليم، و سكت عن تنمية التفكير العقلاني، وساهم الأعلام ووسائله المختلفة بإطعام العامة الكثير من الآمال، ممزوجة بالكثير من المسلمات حتى أصبح أبناؤنا ضحية لمن يخطف عقولهم أولا. فما نحن بصدده الآن هو ظاهرة، و ليس أفعالا معزولة، ونحتاج للتصدي إليها إلى مجهود ثقافي بالدرجة الأولى، يبدأ بتحرير الشرائح الاجتماعية الكبيرة من قيم العصور الوسطى التي مازال بعضنا يجترها في عالم يتغير بسرعة، ومجتمعات تضربها رياح التغيير بقسوة. أن إغفال الجدلية بين الديمقراطية المبتغاة في مجتمعاتنا والثقافة يعيق من إقامة التوازن المنشود بين القوى المختلفة داخل المجتمع، ويتيح لسيطرة فكر قرن أوسطي ضبابي الرؤية ليس له علاقة بما يدور في العالم، ويوسع هذا الفكر الذي ينصب علينا من كل جانب، شقة الخلاف والاختلاف في المجتمع، ويحقق بيئة صالحة تنمو فيها الأفكار المتطرفة، التي تقود بالضرورة إلى العنف. استنهاض الهمم للتحرك السياسي هي المهمة الأولى للتجمعات السياسية العصرية في الكويت، والقوى الديمقراطية مدعوة للتوجه للجمهور ومخاطبته بوضوح لا يحتمل التزلف و المحاباة، مفاده أن التخلص من القهر و الاستلاب لا يعني الوقوع في الخرافة و التجهيل. أن الاحتضان الذي يظهره الجمهور العربي العام للتطرف هو احتضان للتنفيس عن القهر و الاستلاب والمصادرة التي يواجهها، وهو في صلبه سياسي واقتصادي وتنظيمي، يستغله الآخرون أبشع استغلال، فيضفون عليه، نتيجة التجهيل، صبغة عقيدية ويطلقوا خلاياه للعبث بأمن المجتمعات من أجل تهميش المطالب الديمقراطية التي ينادي بها قطاعات واسعة من العرب و تطالب بالشفافية و المساواة، أو في حالة الكويت، الإخلال بالمسلمات الدستورية، وهو أمر أن أستمر دون أن تطلق أجراس الإنذار سيعود بالفوضى و الخراب. ـ كاتب كويتي

طباعة Email
تعليقات

تعليقات