بعد 48 عاماً على تأسيس هيئة الاتحاد الوطني، البحرينيون يستحضرون ذاكرتهم ـ بقلم: رضي الموسوي

الاثنين 15 شعبان 1423 هـ الموافق 21 أكتوبر 2002 يوما، قال المستشار البريطاني للحكومة البحرينية تشارلز بلغرين (1926ـ 1957م) «ان البحرينيين لن يحتاجوا لبرلمان خلال المئة سنة القادمة لكن الرجل اجبر على مغادرة البحرين بعد ثلاث سنوات من رفع هيئة الاتحاد الوطني شعارا يطالب بترحيل المستشار البريطاني عن البحرين، من ضمن مطالب عديدة منها تشكيل برلمان وطني كسلطة تشريعية تمثل اهالي البحرين تمثيلا صحيحا عن طريق الانتخابات الحرة. وبعد مرور ثمانية واربعين عاما على تأسيس هيئة الاتحاد الوطني في البحرين باعتبارها اولى حزب سياسي في منطقة الخليج العربي تنادت الجهات السياسية البحرينية واحيت ذكرى تأسيسها التي صادفت يوم الثالث عشر من اكتوبر الجاري، بحضور ممثل عن ملك البحرين الذي انتدب وزير العمل والشئون الاجتماعية عبدالنبي عبدالله الشعلة الذي القى خطابا امام حشد جماهيري غفير في منطقة السنابس التي شهدت ولادة الهيئة التنفيذية العليا المكونة من 120 شخصية انبثق عنها لجنة تنفيذية مكونة من ثمانية اعضاء، اربعة من الطائفة السنية ومثلهم من الطائفة الشيعية وقد انتخب المرحوم عبدالرحمن الباكر امينا للسر وبسبب ظروف البلاد التي كانت تعاني من نير الاستعمار البريطاني آنذاك فقد اخذت الهيئة اجراء احترازيا فانتخبت ثمانية اعضاء آخرين ليحلوا محل الاعضاء حين يتم اعتقالهم او ترحيلهم من البلاد. مخاض صعب ولكن كيف تأسست هيئة الاتحاد الوطني؟ في اوائل شهر اكتوبر من العام 1954 وفي ضوء قرار المستشار البريطاني تشارلز بلكرين بسحب جنسية المرحوم عبدالرحمن الباكر تداعت العديد من الشخصيات الوطنية في الامر، وقررت تكوين جبهة موحدة لمجابهة الدكتاتورية المتمثلة في بلكرين، تتولى قيادة الشعب حتى ينال حقوقه المهضومة والحد من الاستبداد الاستعماري الرجعي الاخذ بخناق الشعب كما قررت اصدار بيان يستنكر سحب جنسية الباكر، واعتبار هذا الاجراء مخالفا لابسط حقوق اي مواطن في اي مكان كما قرر المجتمعون الذين كانوا يمثلون زعامات الطائفتين في البحرين، بان يعقدوا اجتماعا عاما بعد اسبوع من تاريخه في قرية سنابس يضم جميع العناصر الوطنية لتكوين الجبهة وانتخاب ممثليها اثر ذلك. وفي الثالث عشر من اكتوبر عام 1954 عقدت العناصر الوطنية من الطائفتين ممثلة بجميع مدن وقرى البحرين واتخذت القرارات التالية: 1ـ اختيار هيئة تنفيذية عليا قوامها مئة وعشرون ينبثق عنها لجنة تنفيذية قوامها ثمانية هم الممثلون للشعب. 2ـ اختيار امين عام للهيئة التنفيذية العليا. 3 ـ اختيار مساعد لامين الصندوق. 4ـ اجتماع الجمعية العمومية شهريا مالم تستدع للاجتماع الضروري في اي وقت يراه الامين العام وتقره اللجنة التنفيذية. 5ـ تعيين ثمانية خلفاء للجنة التنفيذية فيما لو اعتقل اعضاؤها. 6ـ اللجنة التنفيذية تمثل الشعب لدى السلطات وامينها العام هو المسئول المباشر عن تنفيذ مقرراتها. 7ـ الاسراع بتقديم المطالب الى الحاكم. 8ـ تترك صياغة المطالب للجنة التنفيذية الا ان المطالب يجب ان تركز على النقاط الرئيسية التالية: ـ تأسيس مجلس تشريعي. ـ وضع قانون عام للبلاد جنائي ومدني. ـ السماح بتأليف نقابة للعمال. ـ تأسيس محكمة عليا للنقض والابرام. 9ـ المباشرة فورا بجمع التبرعات للهيئة التنفيذية العليا. 10ـ المباشرة فورا بجمع التواقيع لاثبات شرعية اعضاء اللجنة التنفيذية الثمانية. وبعد تحديد اعضاء الهيئة التنفيذية العليا المئة والعشرين اختير ثمانية للجنة التنفيذية هم: علي بن ابراهيم، محسن التاجر، ابراهيم بن موسى، عبدالله ابو ذيب، عبد علي العليوات، عبدالعزيز الشملان، ابراهيم فخرو، عبدالرحمن الباكر. واول فعل قامت به اللجنة التنفيذية لهيئة الاتحاد الوطني هو رفع مذكرة للحاكم اكدت فيها المطالب التي جاءت في الاجتماع الاول وخاصة تأسيس مجلس تشريعي، ووضع قانون جنائي ومدني، وتشكيل نقابة للعمال واصحاب المهن الحرة، بيد ان اول تحد قامت به الهيئة هو اعلان الاضراب العام الذي بدأ في الرابع من ديسمبر 1954 حتى العاشر منه وكان هذا امتحانا شديد الحساسية لهيئة الاتحاد الوطني التي كانت تسعى لتثبيت قيادتها للشارع البحريني وقد حصلت على ما ارادت لكن المشكلة كانت في مسألة الحوار بينها وبين السلطات آنذاك حيث كانت بريطانيا تلعب على قضية «فرق تسد» المشهورة. انجازات وتحديات كان يقف وراء الهيئة التنفيذية العليا، ومن بعدها هيئة الاتحاد الوطني رجال «اشداء تمرسوا العمل السياسي وخبروا اساليب الاستعمار البريطاني في طرائقه وكيفية احكام قبضته على البلاد، وكان على رأس هؤلاء الامين العام للهيئة عبدالرحمن الباكر الذي ولد في حي (الفاضل) احد احياء المنامة العتيقة في العام 1917، وانتقل مع عائلته الى قطر في العام 1933، وجاب العديد من الدول حيث كان يعمل في تجارة اللؤلؤ لكنه عاد الى البحرين في العام 1936م والتحق بشركة نفط البحرين (بابكو) وكان عنصرا قياديا رئيسيا في تنظيم الحركة العمالية التي رفعت مطالب مشروعة في العام 1938، واسس مع مجموعة من الصحفيين والمثقفين دارا للصحافة اطلق عليها اسم «دار صوت البحرين» واصدر مجلة «صوت البحرين» اواخر الاربعينيات. ومع انتصار ثورة 23 يوليو في مصر تحركت الجموع الشعبية وقاد الباكر مع رفاقه حركة احتجاجات توجت بتشكيل اول نقابة عمالية في البحرين وكان الدينامو الحقيقي لهيئة الاتحاد الوطني، حيث اسس في 1954، صندوق التعويضات التعاوني والذي يعتبر شركة تأمين تعاونية لاصحاب السيارات، الامر الذي اثار غضب المستشار البريطاني تشارلز بلكرين فواجه الباكر بشراسة لابعاده من هذا المشروع وقد تعرض الباكر لعمليات اعتقال وابعاد عديدة لدول عربية آخرها اعتقال خمسة من اعضاء الهيئة والحكم عليهم بالسجن في ديسمبر في العام 1956 ونفي الباكر وعبدالعزيز الشملان وعبد علي العليوات الى جزيرة «سانت هيلانه» جنوب المحيط الاطلسي لقضاء سنوات سجنهم الاربعة عشر التي حكمت عليهم بها محكمة في قرية البديع غرب البحرين ومع وصول ابنائهم لبريطانيا تحرك العديد من المحامين هناك اضافة لشخصيات وطنية وقومية عربية فاجبرت السلطات البريطانية على الافراج عن الباكر ورفاقه الثلاثة في العام 1961م لينتقل بعدها لبريطانيا ثم الى لبنان التي مارس فيها نشاطه المهني والسياسي حتى وفاته مطلع السبعينيات ولم يتركه البريطانيون حتى بعد وفاته اذ رفضوا دفنه في البحرين ولم يسمحوا لجثمانه بالنزول من الطائرة القادمة من لبنان، فدفن في مقبرة المطار القديمة بالدوحة العاصمة القطرية. ويمكن القول ان سيرة عبدالرحمن الباكر تكثف سيرة وتاريخ هيئة الاتحاد الوطني التي لم يسمح بالاحتفال بذكراها الا مع الانفتاح الامني والسياسي الذي شهدته البحرين منذ قرابة العامين. بل ان العهد الجديد كرم بعض قيادات الهيئة باطلاق اسمي عبدالعزيز الشملان وحسن الحبشي على شارعين بالمنامة يضاف لذلك ان الكلمة التي القاها وزير العمل والشئون الاجتماعية تعكس اعترافا رسميا بهيئة الاتحاد الوطني واشادة بقادتها حين قال «في مرحلة من مراحل الكفاح الوطني اضطلع نخبة من ابناء هذا الوطن المخلصين بمسئولية تاريخية اساسها الوحدة الوطنية وهدفها الاسمى الحفاظ على عروبة الوطن والتخلص من الوجود الاجنبي وتحقيق الاستقلال الوطني» مؤكدا ان عطاء الرجال الذين اضطلعوا بمسئوليات مرحلة هيئة الاتحاد الوطني لم يكن محصورا عند ذلك المنعطف فقد كان لهم من قبل مواقف مشرفة وادوار بارزة في الحياة العامة للوطن في مختلف المجالات. في الذكرى الثامنة والاربعين لتأسيس هيئة الاتحاد الوطني استحضر البحرينيون تاريخهم الحديث واحتفلوا به وكرموا القيادات المتبقية من تلك الحقبة وذوي الذين راحوا في ذمة الله، مجسدين شعورا عارما بضرورة تمتين الوحدة الوطنية الداخلية بين ابناء الشعب بطوائفه واعراقه. ـ كاتب بحريني

طباعة Email
تعليقات

تعليقات