القدس.. عروبة تاريخية باقية «2 ـ 2» ـ بقلم: د. علي عقلة عرسان

الاثنين 15 شعبان 1423 هـ الموافق 21 أكتوبر 2002 فرض هيرودوس الأكبر حاكمُ القدس سلطتَه، وأعاد ترميم الهيكل في القدس، وتنافس الحاخام الأكبرُ وأتباعُه مع الحاكم الإداري وأنصاره، أي تنافس اليهود الذين يفرضون على المدينة لوناً ويطردون سواهم منها أو يضطهدونهم فيها مع العرب: السكان الأصليين، الذين يتشبثون بمدينتهم ومواقعهم ويدافعون عن حضورهم ويحمون وجودهم، ولو تحت أقنعة يهودية أحياناً. كرس هيرودوس وجوداً لليهود في القدس، رغبة أو رهبة، وإثباتاُ للقدرة الذاتية أو للتوجه الجديد؛ واستمرت معاناة غير اليهود في المدينة والمنطقة التي شملها نفوذُهم. وشهدت المدينة ولادة رسالة السيد المسيح عيسى بن مريم واضطهاده. وقام أندرونيكوس الروماني عام 70 م بهدم الهيكل الذي بناه ـ أو رممه ـ هيرودودس بلا أسباب أو مسوغات، ففي كل وقت ومكان يثير التعصب اليهودي الآخرين ضدهم ويدفعهم إلى العنف، لأنه تعصب يقود إلى تصرفات وممارسات شريرة عمياء يمليها الاستعلاء والجهل والركون إلى الخرافات والأساطير العنصرية أو الصدور عنها. أنهى هدمُ هيكل هيرودوس على يد الإمبراطور الروماني تيتوس الوجودَ الديني اليهودي الرسمي في القدس، لأنه بتهديم الهيكل زالت السلطة الدينية، وتم حل المجلس اليهودي الديني «السنهدريم» عام 70 م ولكن لم ينته الوجود اليهودي في القدس كلياً، ولم يرم تيتوس إلى ذلك، ولم ينته أيضاً الصراع المر حول هوية مدينة القدس ومركزها وتكوينها السكاني وسلطتها الدينية: لقد انخفضت مكانتها، وتحولت إلى ما يشبه المعسكر والمستودعات للجيش الروماني، وغابت عنها نسبياً معسكرات الديانات المتناحرة: الوثنية، اليهودية، المسيحية. ولكن ذلك لم يطُل فقد جددت عصابات «سمعان باكوخبا» اليهودية تعصّبها وعبَثَها وإرهابها وقامت بتمرد مكشوف وتحصنت في القدس (135 ـ 32م) الأمر الذي أدى إلى قيام الإمبراطور الروماني هدريان بقتالها والقضاء عليها نهائياً في معركة «بيتر» على بعد عشرة كيلو مترات جنوب غرب القدس، وقام هدريان بتدمير القدس بشكل كامل تقريباً وببناء مدينة جديدة على أنقاضها سماها «إيليا كابيتولينا»، وغاب من التداول اسم «أور شليم» أو «أور سالم» العربي القديم الذي يعود للّغات أو اللهجات العمورية ـ الكنعانية والأكدية. وقد أخرج هدريان اليهود من القدس و «حظر عليهم دخولها و الإقامة فيها» وأخذ الرومان يبنون فيها معابدهم أو يزيدون من عدد تلك المعابد فيها، وجعلوا من موقع قبة الصخرة مزبلة «لأنها قبلة اليهود وقبل الرومان بقرون كان نبوخذ نصر قد «قذَفَ الكِناسات في «أور سالم ـ بيت المقدس وذبح فيها الخنازير» ليذل اليهود جزاء أفعالهم وأحقادهم. التطهير الثالث لقد أدى فعلُ الإمبراطور هدريان إلى ما يمكن تسميته التطهير الثالث للقدس من دَنَس يهودٍ لم يعرفوا أبداً كيف يتعايشون مع الأمم لعلة في نفوسهم وأمراض فيها، ولضيق وتعصب واضحين في نظرتهم الاعتقادية، ولرؤيتهم إلى ربهم «يهوة» على أنه قوة الحقد العمياء المنصبة على بقية الخلق، والرغبة الجامحة في تدميرهم وإبادتهم، لا لشيء إلا لأن أولئك الآخرين «الغوييم» ليسوا من شعبه المختار الذي لا يكون ولا ينبغي أن يكون إلا يهودياً!؟ ولرغبتهم في احتكار «رحمته» التي ينبغي ألا تتسع لسواهم!؟ ولذلك رفضوا المسيح وإلهه، لأن المسيح عليه السلام يدعو إلى شيء مغاير، فهو يقول: «ملكوت الله هو هبة الله للبشر أجمعين وأنه يتم بإرادة الله»، فكيف يبقى مثل هذا المرسَل في القدس وهو يريدها مدينة للجميع؟! وكيف يأخذون برسالته وهو يريد أن يوسع دائرة المحبة والرحمة لتشمل خلق الله من غير اليهود وفي ذلك شيء من مساواة لليهود بغيرهم من الناس؟! وربما لهذا السبب وسواه حول اليهودُ «مكانَ المصلوب» إلى مرمى للقمامة، ولم يبق في القدس مكان لم يدنس على أيدي اليهود الغزاة وعلى يد سائر الغزاة والسكان المجلوبين إليها؛ أولئك الذين يعبثون بمقدراتها على حساب السكان العرب الأصليين والهوية العربية والتاريخ العربي الذي لها، ويقاومون النضال المستمر من أجل استعادتها، وعلى حساب اللغة العربية في لهجتها «الآرامية» أو سواها من اللهجات ـ وأرى أن طريقة التدوين للهجات وفق لفظ كل منطقة وعصر جعل من تلك اللهجات لغات ـ التي حملت أداءها المعرفي ومعاناة الناس فيها. لقد أدى اعتناق الملك قسطنطين الدين المسيحي إلى رفع المعاناة عن المسيحيين في المدينة المقدسة، بعد أن كانوا عرضة للاضطهاد من قبل اليهود والرومان؛ ولم يكن أولئك الذين كانوا يعانون إلا من أبناء المنطقة ومن سكانها الذين يؤمنون برسالة ابن مريم، وقد لا لاقوا تشريداً عن أرضهم ونفياً وخوفاً وفزعاً في ظل إمبراطورية الغرب وقوتها الغازية: الإمبراطورية الرومانية آنذاك، ومن قبل اليهود الذين غزوا القدس واضطهدوا أهلها وكل من والاهم. وفي القدس بَنت أم الملك قسطنطين هيلانة الحرانية البندقانية كنيسة القيامة في المكان الذي فيه قبر المصلوب: ذلك المكان الذي كان قد حوّله اليهود إلى محل لإلقاء القمامة إمعاناً منهم في اضطهاد المسيحيين وإذلالهم، وبنى قسطنطين كنيسة أخرى، وأخذ وجود الكنائس يتجاور مع الهياكل أو المعابد الرومانية في «إيليا كابيتولينا» التي لم يعد فيها وجود لهيكل يهودي بعد هدمه للمرة الثالثة وأكثر، كما قُيد دخولُ اليهود إليها أو مُنِعَ، وكذلك إقامتهم فيها، ولم يصبح في القدس أبرشية وبطريارك إلا عام 451 م ولكن توجهها إلى ذلك وتمهيد استحقاقها له بدأ مع جهود قسطنطين وهيلانة وكيرلّس المقدس. كان نبي الله موسى عليه السلام «يسأل الله أن يدنيه إلى بيت المقدس ولو رمية بحجر، وقد أجيب إلى ذلك» وبقي بعيداً عنها في صحراء سيناء، ولكن الذين شوهوا رسالته وحرفوا توراته، من الذين وصلوا مع يشوع إلى أطرافها أو نَسَلوا من بعده فيها، لم يمكنوا حتى أنفاس موسى الطيبة من الوصول إلى القدس، وبقي غريباً عن حلمه. وذاق فيها عيسى المسيح عليه السلام الأمرين على يدي أولئك الذين آذوا الأنبياء وقتلوهم وصبوا حقدهم على الأمم، وبقيت القدس نظيفة منهم بعد هدريان، وتسامح قسطنطين ومن تلاه معهم قليلاً، ولكن ليس إلى الحد الذي يقوم لهم فيها هيكل و«سنهدريم» ووجود فعال من أي نوع. الفتج الاسلامي وحين واجهت قواتُ هرقل جيشَ المسلمين وحاصرها ذلك الجيش في القدس استسلمت له فسَلِمَت أمرها إليه، وكان ذلك عام 668 م واستلم مفتاحها الخليفةُ عمر بن الخطاب رضي الله عنه، بناء على طلب أهلها ممثلين بالبطريارك «صفرونيوس» الدمشقي الأصل، ودخل عمر القدسَ، أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين ومسرى الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، دخلها بروح الإسلام وسماحته وشموله قائلاً لأهلها «يا أهل إيلياء، لكم ما لنا وعليكم ما علينا»، دخلها عمر دخولاً مغايراً كلياً لدخول أتباع يشوع اليهودي إليها، ولدخول الفرس والرومان، ولدخول غودفري أوف بويلون الصليبي إليها أيضاً عام 1099م؛ لقد دمر الأُوَلُ المدينة وقتلوا الناس فيها، وفعل الفرس والرومان شيئاً مشابهاً تقريباً، وخاض غودفراي بدماء المسلمين هو وجنوده حتى وصلوا إلى كنيسة القيامة، أما عمر بن الخطاب فقد دخلها بسلام ناهياً أهلَها عن السجود له، لأن ذلك لا يكون إلا لله تعالى وحده، مقدماً إليهم عهدَه الذي عرف: بـ «العُهدة العمرية»، ونصها هو الآتي: بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أعطى عبدُ الله: عمر أمير المؤمنين أهل إيلياء من الأمان، أعطاهم أماناً لأنفسهم وأموالهم، ولكنائسهم وصلبانهم، وسقيمها وبريئها وسائر ملتّها؛ أنه لا تُسكن كنائسهم ولا تُهدم، ولا ينقض منها ولا من حيّزها، ولا من صليبهم، ولا من شيء من أموالهم، ولا يُكْرَهون على دينهم، ولا يُضارّ أحدٌ منهم، ولا يسْكُن بإيلياء معهم أحد من اليهود ، وعلى أهل إيلياء أن يعطوا الجزية كما يعطي أهلُ المدائن، وعليهم أن يخرِجوا منها الرومَ واللصوص، فمن خرج منهم فإنه آمن على نفسه وماله حتى يبلغوا مأمنهم، ومن أقام منهم فهو آمن، وعليه مثل ما على أهل إيلياء من الجزية، ومن أحب من أهل إيلياء أن يسير بنفسه وماله مع الروم ويخليّ بِيعَهَمْ وصُلُبهَم، فإنهم آمنون على أنفسهم وعلى بيعِهم وصلبِهم، حتى يبلغوا مأمنهم، ومن كان بها من أهل الأرض قبل مقتل فلان، فمن شاء منهم قَعَدَ وعليه مثل ما على أهل إيلياء من الجزية، ومن شاء سار مع الروم، ومن شاء رجع إلى أهله، فإنه لا يؤخذ منهم شيء حتى يُحصد حصادُهم، وعلى ما في هذا الكتاب عهدُ الله وذمة رسوله وذمة الخلفاء وذمة المؤمنين، إذا أعطوا الذي عليهم من الجزية. شهد على ذلك: خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، وعبد الرحمن بن عوف، ومعاوية بن أبي سفيان، وكتب وحضر سنة خمس عشرة. دخل عمر بن الخطاب القدس ملبياً، وتفقد الأماكن المقدسة فوجد الصخرة مغطاة بالقمامة والأتربة، وهي قبلة اليهود، فنقل التراب والأوساخ عنها بطرف ردائه وقبائه، وفعل المسلمون مثلما فعل، وزار مع البطريرك صفرونيوس كنيسةَ القيامة، وكان فيها ساعةَ حان وقتُ الصلاة فلم يُصل عمرٌ فيها مخافة أن يتخذ المسلمون من ذلك سابقة أو يرى القادمون منهم أن لهم حقاً فيها، ففرش رداء في العراء وصلّى مخالفاً اختيار كعب الأحبار الذي أشار عليه بأن يصلي والصخرة أمامه، فجعلها خلف ظهره مستقبلاً الكعبة المشرّفة، وفي مكان صلاة عمر بن الخطاب أقيم المسجد العُمَرِي. وعلى الرغم من أن أحد شروط تسليم القدس كان ألا يدخلها اليهود، فقد خلق المسلمون مُناخاً جعل مسيحيي القدس يقبلون أن يدخلها اليهود ليمارسوا عباداتهم، واحترم العرب المسلمون حقوق الآخرين، ورفعوا شأن القدس بين المدن، واستعاد سكانُها من العرب شيئاً من حيوية الحضور، وشعروا بأن مدينة الأجداد القديمة تعود إليها أصالتُها ويعود إليها انتماؤها، وقد أصبحت الآن موضع عناية واهتمام. لم يكن في ذاكرة العائدين من العرب المسلمين إلى القدس تاريخُ المعاناة ولا تفصيلاتُ الممارسات التي تعرض لها آباؤهم وأجدادُهم العرب في المدينة على أيدي الغزاة: اليهود والرومان وما بينهما من أقوام، ولم يدخلوها بعزة الجاهلية، ولا بروح الانتقام لبني قومهم من العموريين: الكنعانيين بشرائحهم الاجتماعية وقبائلهم وتسميات تلك القبائل وحقوقهم في ديارهم، وإنما دخلوها بتسامح الإسلام وبما أوعز به العرب المتشبعون به.. دخلوها بروح من الإيمان رفيع وعميق جسد معنى التسامح وقيم الإخاء ومقومات العقيدة. كان ابن الخطاب قد قال للمسلمين في الجابية وهو في طريقه إلى القدس: أيها الناس أصلحوا سرائرَكم تصلُح علانيتُكم، واعملوا لآخرتكم تكفوا أمرَ دنياكم، وحين رغب بعضهم إليه في اتخاذ مظهر يوحي بعزة المسلمين في نظر سواهم، وفي الروم وسواهم ممن يحتلون الشام مظاهر، قال «نحن قوم أعزنا الله بالإسلام فلا نطلب بغير الله بديلاً». وأكد لقادة جيش المسلمين حقائقَ أو ذكّرهم بها، من خلال الخطاب الذي قال فيه لأبي عبيدة بن الجراح: «إنكم كنتم أذل الناس، وأحقرَ الناس، وأقل الناس، فأعزكم الله بالإسلام؛ فمهما تطلبوا العز بغيره يذلكم الله». عادت سلطة العرب إلى القدس، واستعادوا هويتها وانتماءها، ولكن من خلال عز الإسلام ومفاهيمه وقيمه وشريعته، وإخال أن رميمَ عظام الأجداد فيها، منذ ما قبل اليبوسيين إلى يوم دخلها عُمر، قد اهتز وانتعش وارتاح، لأن السلام عاد إلى مدينة السلام، ولأن المظالم التي اكتسحت أرضها مع عنصريي يشوع وأتباعه وأضرابهم قد توقفت. ما بعد الراشدين في فترة من العصر الأموي ازدادت مكانةُ القدس، المدينة المقدسة في الإسلام، ولا شك في أن الخلافات التي نشأت بين المسلمين كان لها دور في ذلك وكانت نتائجه لمصلحة القدس، فعبد الملك بن مروان الذي ثار خلافٌ بينه وبين عبد الله بن الزبير احتجب عن مكة وحجب أهلَ الشام عنها، وتوجه نظرُه نحو القدس ليجد مخرجاً له مما ضج منه المسلمون من حوله، حين منعهم من الحج إلى مكة؛ فبنى قبةَ الصخرة والمسجدَ الأقصى ليشغلهم ويرضيهم ويستعطفهم، وأنفق في ذلك أموالاً طائلة، وجعل القبة، هو وابنه الوليد من بعده، أفضل بناء وأجملَه في حينه؛ أو كما يقول عنها ابن كثير «إن صخرة بيت المقدس، لما فُرِغ من بنائها، لم يكن لها نظير على وجه الأرض، بهجة ومنظراً». وكان الناس «يقفون عند الصخرة ويطوفون حولها كما يطوفون حول الكعبة، وينحرون يوم العيد، ويحلقون رؤوسهم.. ففتح عبدُ الملك بذلك على نفسه بأن شنّع ابن الزبير عليه .. الخ ». واستمرت مكانة القدس في الارتفاع في نظر المسلمين، بعد أن ألغي حج أهل الشام «السياسي السبب» إليها، وقد كانت في الإسلام قبل الفتح وبعدَه موضع تقديس. ولم تلق القدسُ من العباسيين العناية ذاتها التي لقيتها من الأمويين، على الرغم من زيارة بعض خلفاء بني العباس لها، وربما كان ذلك لبعدها عن مركز الخلافة. وتداول الدولة عليها الطولونيون 292 ـ 265 هـ ـ والأخشيديون 359 ـ 327 هـ ـ وبقي فيها الفاطميون إلى عام 463 هـ 1076 م، حين انتزعها منهم السلاجقة وأبقوها في حوزتهم إلى عام هـ - 1098 م حيث استعادها الفاطميون منهم - وكان ذلك بعد شهر واحد من سقوط إنطاكية بيد الصليبيين - ونصبوا عليها افتخار الدولة والياً، وعلى يديه سقطت القدسُ في أيدي الصليبيين عام 492 هـ - 1099 م وكان دخولهم إليها دموياً «مصحوباً بمذبحة مروعة» على حد تعبير المراجع التاريخية الغربية ذاتها؛ فقد قتلوا فيها من المسلمين بين ستين وسبعين ألفاً، قُتِلَ عددٌ كبيرٌ منهم في المسجد الأقصى. وكان الذي حرك الحروب الصليبية البابا «إربان» بخطابه العاطفي الشهير في كليرمونت 27111095 ونصب الصليبيون «غودفري» دوق أسفل اللورين ومقاطعة بويّون ليكون أول ملك على القدس فقبل الحكم ورفض اللقب، وبعد وفاته عام 1100 م خلفه شقيقه «بولدوين» الأول الذي قَبِلَ اللقبَ والتاج. ولم يحترم الصليبيون قيمة إنسانية أو دينية يوم دخلوا القدس وطوال احتلالهم لها، الذي استمر تسعاً وتسعين سنة، لم تنته خلالها المعارك بينهم وبين المسلمين؛ وكان أشهرها تلك التي خاضها عماد الدين زنكي ضد جوسلين الثاني ملك القدس الصليبي عند السور الشمالي للقدس عام 1144 م وانتقم فيها لقتلى القدس يوم دخول الصليبيين إليها. واستمرت معاناة المسلمين وجهودُهم في جهادهم إلى أن استعاد صلاحُ الدين الأيوبي القدسَ ودخلها صلْحاً في 27 رجب 583 هـ ومعروفة رحمةُ صلاح الدين ومعاملتُه الطيبة للصليبيين وعفوه حتى عمن لم يستطع دفع الفدية البسيطة التي اتفق عليها مع «باليان بن بيرزان» حاكم القدس الذي استسلمت في عهده المدينة. ونظف صلاح الدين بنفسه المسجدَ الأقصى مما لحق به من أذى، وشاركه من معه في ذلك، وكشف عن قبة الصخرة التي كانت قد حُجِبت عن الأنظار وغسلَها وطهرَها، وأعاد للقدس الصورة العُمَرية وأعاد فيها شيئاً من تلك السيرة العطرة، وأحضر إلى المسجد الأقصى المنبرَ الذي كان نور الدين الشهيد قد أمر بصنعه في حلب ليكون هدية للأقصى يوم التحرير، غير أن محيي الدين بن الزكي خطيب صلاح الدين الأيوبي في أول صلاة جمعة أقيمت في القدس بعد تحريرها، لم يتمتع بشرف اعتلاء المنبر الجديد، وهو المنبر الذي بقي في المسجد الأقصى إلى أن أحرقه الصهاينة في 2181969 بفعل عنصري مدروس نسبوه إلى مجنون. ولم يكن يقيم في القدس، يوم حررها صلاح الدين، يهودٌ فقد مُنِعوا من السكن فيها من عام 135 م إلى 614 م حين أعادهم إليها الفرس على يدي خسرو، وبقوا فيها، مع سكانها من العرب، ثلاثة عشر عاماً حتى 627 م حين ذبحهم هرقل الذي استعاد السيطرة على القدس من الفرس، وبقي اليهود خارجها تنفيذاً لطلب المسيحيين في العهدة العُمَرية إلى حين تحرير صلاح الدين للمدينة عام 1187 م على الأقل، أي أنهم مُنِعوا من السكن فيها (1052) سنة متوالية على الأقل بعد السبي الأول والثاني وبعد ما سلفت الإشارة إليه من حوادث. ولا أظن أن حكام الفترات التي تلت ذلك سمحوا لهم بالإقامة فيها لا سيما بين 1229 م يوم سلمها الملك الكامل إلى الإمبراطور فريدريك الثاني واستردها الناصر ثم سلمها ثانية، واستعادها الخوارزميةُ من الإفرنج عام 1244م. وبقيت القدس نظيفة من اليهود، فيما أقدر، في عهد المماليك وفي العهد العثماني الأول، الذي ابتدأ عام 1516م؛ ولكن التسلل اليهودي المدروس إليها وفقاً للمشروع الاستعماري الغربي ـ الصهيوني، بدأ عبر ضعف الإمبراطورية العثمانية وانحلالها، وتكاثف مذ سيطر الأوروبيون على القرار العثماني، وأصبح لليهود الدونما دور مؤثر في ذلك القرار. ـ رئيس اتحاد الكتاب والادباء العرب

طباعة Email
تعليقات

تعليقات