استراحة البيان ـ الحاكم بأمر جورج دبليو بوش ـ يكتبها اليوم: علي عبيد

الاحد 14 شعبان 1423 هـ الموافق 20 أكتوبر 2002 هل تستطيع أن تحصي عدد الأسئلة التي تُحاصرك على مدار الساعة طوال اليوم؟ ما الذي يحدث؟ وماذا سيحدث؟ وأين سيحدث؟ وكيف سيحدث؟ ومتى سيحدث؟ وهل سيحدث؟ و...؟ و...؟ عشرات الأسئلة.. بل مئاتها تحاصرك في كل مكان، وتنهال عليك من مختلف الجهات.. تتنقل طوال اليوم بين محطات التلفزيون وموجات الإذاعة فتستقبلك هذه الأسئلة يقذف بها المذيعون في وجوه ضيوفهم ووجهك.. وتفتح جريدتك في الصباح فتطل عليك الأسئلة نفسها في الصفحة الأولى، ولا تكتفي بذلك إذ تحيلك إلى التتمات والصفحات الداخلية.. وتلتقي الصحب في «الكافيه» محاولاً الهروب من كل هذا الصخب باحثاً عن هدوء حتى لو كان مؤقتاً فلا تسمع منهم إلاّ الأسئلة نفسها.. وفي النهاية تنتقل إليك أنت الآخر العدوى فتغدو رجع صدى لما تشاهد وتسمع وتقرأ. وكل يوم تُسرب لنا الإدارة الأميركية المزيد من السيناريوهات لتضاعف من حيرتنا أو بالأحرى أحزاننا حتى لم نعد قادرين على الحزن ولا الفرح ولا حتى الاستيعاب. ومن بين كل السيناريوهات هذه، لا يستفزك شيء أكثر من ذلك السيناريو وتلك الخطة التي تنصّ على تنصيب حاكم عسكري أميركي في العراق بعد احتلاله وتشكيل حكومة عسكرية تقيم محاكمات عسكرية بتهمة ارتكاب جرائم حرب. الحاكم العسكري المرشح لتولي هذه المهمة تمت تسميته تقريباً وهو الجنرال «تومي فرانكس» قائد القوات الأميركية في منطقة الخليج. أما مبرر وضع هذه الخطة فهو الحدّ من دور المعارضة العراقية الذي كان مطروحاً لتجنّب الفوضى والمواجهات بين الفصائل كما حصل في أفغانستان إثر سقوط نظام طالبان. هذا ما يقوله الأميركيون الذين يضيفون أنهم «لا يعرفون بالتأكيد التأثير الذي سيكون للمجموعات الآتية من الخارج على الداخل» مشيرين إلى «خلافات في الرأي بين العراقيين وأنهم لا يريدون حالة من الفوضى»! هذا السيناريو الذي كشفت عنه صحيفة «نيويورك تايمز» قبل أيام أقرّ وزير الخارجية الأميركي بأنه مشروع من المشاريع التي تدرس في إطار «نماذج مختلفة في التاريخ نستطيع الاهتداء بها» لتشكيل سلطة انتقالية في العراق في أعقاب تدخل عسكري، قائلاً إنه إذا ما تقرر اجتياح العراق فـ «سنضطر إلى إقامة نظام أفضل» مشيراً إلى سوابق، لا سيما في اليابان وألمانيا بعد الحرب. نموذج اليابان الذي يستدعيه وزير الخارجية الأميركي من التاريخ هو تلك الإدارة التي شكّلتها الولايات المتحدة لليابان عام 1945 تحت إمرة الجنرال «دوغلاس ماك آرثر» الذي قاد قوات الحلفاء على جبهة المحيط الهادئ في مواجهة التوسع في الحرب العالمية الثانية. وكان أبرز انتصاراته إعادة احتلال الفلبين من اليابان، وهو الذي عمل بعد تعيينه حاكماً عسكرياً لليابان على إدخال تغييرات جذرية لتجريد تلك البلاد من أسلحتها العسكرية والسياسية والثقافية. وعندما اندلعت الحرب الكورية عام 1950 عمل على وقف تقدم القوات الشيوعية، وبعد التدخل الصيني دعا إلى ضرب الصين، لكن مخاوف الرئيس ترومان حينذاك من اندلاع حرب عالمية ثالثة دفعته إلى إقالة مارك آرثر من منصبه، وكان ذلك مثار جدل واسع في أميركا والغرب. هل كان من باب الصدفة أن يكون «هاري ترومان» هو أول وآخر رئيس في التاريخ (حتى الآن) يأمر بإلقاء قنبلتين ذريتين على هيروشيما ونغازاكي في أغسطس من عام 1945، وأن يكون «دوغلاس ماك آرثر» حاكماً عسكرياً لليابان في عهده؟ يقول «ستيفن ايفيس» الحاصل على النجمة البرونزية عن عمله في تحليل القوات اليابانية في ليزون عام 1945 إن إعلان الرئيس الأميركي جورج بوش أن الولايات المتحدة حرة في أن تحاكم زعماء الإرهاب في محاكم عسكرية أميركية في الخارج يعيد إلى الأذهان ذكريات محاكمة عقدت في ظروف مماثلة منذ أكثر من نصف قرن، وما زالت تقف كتذكرة قوية للظلم الذي وقع تحت اسم «انتصارات العدالة» إذ يجب على أولئك الذين يضغطون لصالح المحاكم العسكرية اليوم أن يتذكروا الجنرال «تومو يوكي ياماشيتا» قائد القوات اليابانية في الفلبين الذي تم شنقه في مانيلا بعد محاكمة كانت مخيبة لكل معاييرنا في العدالة القضائية. ويمضي «ايفيس» متحدثاً عن قابلية المحاكم العسكرية للتعسف لا سيما في نهاية الحروب عندما يتوق المنتصرون للانتقام وتتوفر أعداد كبيرة من كباش الفداء. فقد كان «ياماشيتا» ـ الذي كان يُعرف بنمر ملايا لاستيلائه السريع على سنغافورة ـ تحت الحجز القضائي الأميركي بعدما استسلم في 3 سبتمبر 1945 في جزيرة «ليزون» وكان تحت التصرف في إدانة سريعة مصممة لمعاقبة أي شخص بسبب المجازر المروعة لليابان في الحرب، واتسمت محاكمته بالضغط من قبل الجنرال «دوغلاس مارك آرثر» الذي تدخل مراراً للحض على الإدانة بأسرع وقت، وبدأت المحاكمة الفعلية في أقل من ثمانية أسابيع بعد استسلام اليابان وقبل تنظيم لجنة محاكم الحرب في طوكيو. وكمسئول عن النظام في قسم من الجيش السادس الأميركي ـ والكلام لستيفين ايفيس ـ تابعت الجيش الياباني في ليزون منذ أول هبوط أميركي في يناير 1945 ودخلت في مشاكل بأن «ياماشيتا» كان يتساءل عن أفعال أعلم أنه ربما لم يكن يعرف عنها شيئاً، ولو علم بها لمنعها فأنا لم أعرف عنه أي شيء يشينه. وأبلغت قائدي بأنه من الواجب عليّ أن أعمل على مساعدة فريق الدفاع عن «ياماشيتا» بيد أنه ثبطني بقوة ذاكراً أن الإدانة قد ثبتت بالفعل وأنه ليس أمامي شيء أستطيع فعله. وما زلت أندم على أنني سمعت نصيحته. ويختتم «ايفيس» شهادته قائلاً: إن قضية «ياماشيتا» هي قصة تحذيرية ضد حكمة المنتصرين الذين يتشبثون بالمحاكم العسكرية عندما تكون شعوبهم تصرخ من أجل الانتقام. إننا لا نستطيع إيقاف ما حدث، لكننا ربما نستطيع منع تكراره، ولا يمثل الجو الظالم للمحاكم العسكرية السرية التقليد القانوني القائم في صميم المجتمع الأميركي منذ أمد طويل، وقد لعب مظهر النزاهة والعدالة في أميركا دوراً كبيراً فيما حظيت به من تقدير على المستوى العالمي. وعلى الأميركيين ألاّ يجعلوا هذه المظاهر موضع شك الآن. هذا ما يقوله «ستيفن ايفيس» فهل هناك من له رأي آخر؟ نعم وقد عبر عنه المتحدث باسم البيت الأبيض «آري فلايشر» عندما أعلن أن خطط الولايات المتحدة لإدارة العراق بعد الرحيل المحتمل للرئيس العراقي لا يمكن النظر إليها على أنها «احتلال» لهذا البلد، مشدداً على أن أي إدارة مؤقتة للعراق بعد رحيل صدام حسين ستكون قريبة من الوضع الحالي في أفغانستان. وأضاف: «لا أعتقد أن أحداً يحتل أفغانستان». فهل تعتقدون أنتم غير ذلك؟ سؤال أخير نختم به «عاصفة الأسئلة» ولا أعتقد أن إجابته صعبة هذه المرة

طباعة Email
تعليقات

تعليقات