خط مباشر ـ سبتمبر والحصاد المر ـ بقلم: أحمد عمرابي

الاحد 14 شعبان 1423 هـ الموافق 20 أكتوبر 2002 «ان مناخ التهديد الذي نجد فيه انفسنا اليوم بنفس سوء الصيف الماضي الذي سبق 11 سبتمبر». ولاشك ان جورج تينيت مدير وكالة الاستخبارات المركزية الاميركية عندما اطلق هذا التقييم التحذيري الاسبوع الماضي امام الكونغرس، كان يعبر تماما عن الشعور السائد في الولايات المتحدة على المستويين الرسمي والشعبي. وتحول هذا التحذير الصادر عن رجل الاستخبارات الاول في اميركا الى صيحة فزع عندما أردف: «ان الامر جد.. لقد تجمعوا من جديد.. انهم يلاحقوننا»! الاشارة بالطبع الى تنظيم «القاعدة» وما يتبعه او يتحالف معه أو يؤيده من جماعات اسلامية راديكالية في العالم الاسلامي وغيره. والسؤال الذي يطرح هو: ماذا حققت سياسة «مكافحة الارهاب العالمي» التي تبنتها ادارة بوش خلال اثني عشر شهراً ما بين سبتمبر 2001 وسبتمبر 2002 غير اثارة المزيد من النشاط «الارهابي»؟ ان صيحة الفزع التي اطلقها تينيت لا يمكن ان تكون صيحة عفوية عاطفية لأنها تعكس تقييما علمياً مؤسسا على أطنان من الثروة المعلوماتية. لقد أراد تينيت ان يقول انه بعد مضي عام كامل من حملة اميركية ضارية بمساحة العالم من الملاحقات والاعتقالات التي تخللتها حرب شاملة في افغانستان معقل «القاعدة» وموطن طالبان وتدخل عسكري وأمني مكثف في باكستان والفلبين، كانت النتيجة سالبة بالكامل. فأسامة بن لادن والملا عمر لم يعتقلا وربما لم يقتلا واحتياطي طالبان من القوة البشرية القتالية لايزال موجوداً. ثم ان نشاط العمل الارهابي توسع ليمتد الى الكويت واندونيسيا. ألم يحن الوقت اذن لتتوقف الادارة الاميركية من اجل احداث مراجعة شاملة وعميقة لسياستها المتبعة في التعامل مع العالم؟ ولا أقول العالم الاسلامي فقط.. فعلاقات الولايات المتحدة تدهورت حتى مع أقرب حلفائها الغربيين حول أهداف وأسلوب ادارة الحملة على الارهاب. لقد برز امران من خلال تطبيق هذه السياسة العدوانية، وهما مرتبطان ارتباطا عضويا برابطة السبب والنتيجة: أولا: ثبت عمليا صحة ما كان يعتبر حتى وقوع تفجيرات سبتمبر أقرب الى النظرية منه الى الواقع.. وهو ان ما تريده الولايات المتحدة ليس بأقل من فرض سيطرة كاملة وشاملة على العالم بأسره. ثانيا: ان هذا الهدف الكبير ينبثق من أجندة الاخطبوط اليهودي الذي يسيطر على ارادة الادارة الاميركية بالكامل ويحدد لها مسارات تحركها الدولي. ان مسلك الهيمنة الذي تسلكه الولايات المتحدة في علاقات التعامل الدولي هو الذي يخيف العالم كله خاصة القوى الاخرى الكبرى: أوروبا وروسيا والصين. والمعارضة الجهرية الشرسة التي تبديها الان هذه القوى تجاه ادارة بوش فيما يتصل بالمسألة العراقية لا تنطلق في الحقيقة من مباديء ايديولوجية مثالية أو مشاعر تعاطف تجاه العراق، وانما تعكس تخوف هذه القوى الدولية المنافسة من الدوافع الاستعمارية للولايات المتحدة المنطوية اولا على تحقيق سيطرة احتكارية على موارد النفط العراقي وثانيا التطلع الاستحواذي الى ما بعد العراق ـ سوريا ولبنان وايران. الهيمنة على العالم من منظور الطبقة الحاكمة الاميركية تبدأ باخضاع العالم الاسلامي.. واخضاع العالم الاسلامي يبدأ باخضاع العالم العربي.. ومن هنا كان استسلام ادارة بوش بالكامل لاجندة القوة الصهيونية المتنفذة. هذا ما أثبتته عمليا اكثر من اي وقت مضى السياسة المكشوفة التي انتهجها بوش بعد احداث سبتمبر 2001. فمن بين الاهداف الاميركية المعلنة في سياق «الحرب على الارهاب العالمي» القضاء المبرم على منظمات المقاومة الفلسطينية ضد الاحتلال الاسرائيلي والقضاء على المقاومة اللبنانية المتمثلة في «حزب الله». . وتأديب اي دولة أو اي منظمة تدعم هذه التنظيمات القتالية ولو بالتبرع لأسر الشهداء. والنتيجة هي حربان متزامنتان ضد الارهاب: حرب تشنها الولايات المتحدة على صعيد العالم الاسلامي، واخرى على خط موازٍ وعلى صعيد اقليمي تشنها اسرائيل الشارونية ضد المقاومة التحررية. وإذا كان جورج تينيت يبدو من صيحة الفزع التي اطلقها انه مندهش.. فانه لا يحق له كخبير استخباراتي مهني ان يكون كذلك. خلاصة «لقد تجمعوا من جديد.. انهم يلاحقوننا» كان من المفروض ان يتنبأ بها تينيت علمياً منذ الطلعة الاستهلالية في «الحرب ضد الارهاب». على اساس قاعدة «لكل فعل رد فعل». ان الولايات المتحدة لم تترك للجماعات الاسلامية الناشطة اي هامش للتراجع، فلم يعد لها خيار سوى شحذ الارادة من جديد ومعاودة الهجوم. فقد جعلت الادارة الاميركية من العالم بأسره ميدان معركة: القوات الخاصة تنتشر في بلدان اسلامية.. واعتقالات بالجملة تنتهي الى تسليم المعتقلين الى الاجهزة الاميركية.. وارصدة مالية تجمد.. وضغوط تمارس على حكومات لسن قوانين استثنائية.. وعناصر مكتب التحقيقات الفيدرالي تنتشر في ارجاء العالم الاسلامي.. ومن يعتقلون يبقون رهن الاحتجاز الى الابد دون محاكمة أو حتى دون توجيه اتهام بكلمة واحدة.. ان اميركا تحصد مازرعت.. ويوم الندم لن يكون بعيداً.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات