ضرب العراق .. لماذا ؟ ـ بقلم: معصوم مرزوق

الاحد 14 شعبان 1423 هـ الموافق 20 أكتوبر 2002 من الواضح ان الإدارة الأميركية قد اتخذت قراراً استراتيجياً بغزو العراق (وليس فقط بتوجيه ضربة عسكرية كما يتردد في بعض وسائل الإعلام)، ولكي نفهم هذا القرار فلا يكفي ان نستند فقط إلى ما يردده المسئولون الأميركيون (والبريطانيون بالتبعية) حول موضوع عدم تنفيذ العراق لالتزاماته طبقاً لقرارات مجلس الأمن، أو حيازته أو نية حيازة أسلحة للدمار الشامل، أو لأن العراق أحد أضلاع مثلث الشر، أو لأن النظام العراقي نظام شرير، أو لأن هذا النظام حاول اغتيال بوش الأب.. الخ.. فكل هذه المبررات المتزاحمة تعكس تهافتاً لخلق الذريعة أو المبرر cause belli لشن العمل العسكري ضده. محاولة للفهم طبقاً للمفهوم التقليدي للاستراتيجية العسكرية، فان هذه الاستراتيجية تعني فن استخدام القوات المسلحة لتحقيق الغايات التي تضعها السياسة، وهذا هو التعريف الذي وضعه « ليدل هارت » عام 1929، وهو تعريف ضيق لأنه يقتصر على القوات المسلحة، وقد وضع الجنرال بوفر تعريفاً آخر، بأن الاستراتيجية هي فن استخدام القوة بحيث تصبح أكثر أشكال المساهمة تأثيراً في تحقيق الغايات التي تحددها السياسة كما قال الجنرال فوش: ان جوهر الاستراتيجية هو التفاعل المجرد النابع من الصدام بين ارادتين متضادتين. وتهدف الاستراتيجية إلى تحقيق الأهداف التي تضعها السياسة، مع أفضل استخدام للموارد المتيسرة، وقد يكون هذا الهدف ذا طبيعة هجومية (مثل الغزو أو فرض شروط مجحفة وقاسية)، أو يكون ذا طبيعة دفاعية (مثل حماية مناطق أو مصالح معينة)، وقد يكون هذا الهدف هو مجرد الاحتفاظ بالأمر الواقع. التخطيط الاستراتيجي الأميركي فلو كان الهدف هو اجبار العراق على تنفيذ قرارات مجلس الأمن وما يرتبط بذلك من ازالة أسلحة الدمار الشامل، وأخذاً في الاعتبار ان هناك شهادات عديدة تؤكد استحالة حيازة العراق لتلك الأسلحة، وكذلك ما أعلنه النظام العراق من استعداده لقبول دخول فرق التفتيش بغير قيد أو شروط، فان ذلك الهدف يدخل في طائفة تلك الأهداف متوسطة الأهمية، التي ذكرناها في البند الأول وبالتالي فهو لا يبرر قيام الولايات المتحدة بغزو العراق. ولو كان الهدف هو ازاحة النظام العراقي الحاكم، وبغض النظر عن مشروعية هذا الهدف من زاوية القانون الدولي، فانه لا ينبغي ان يحتل في استراتيجية دولة عظمي سوي أهمية متدنية، يمكن التوصل اليه من خلال استراتيجية الاقتراب غير المباشر، ولا يمكن ان ينهض وحده كسبب لغزو عسكري شامل، خاصة وأن ردود الفعل سواء تلك التي اتضحت قبل الغزو، أو تلك التي لا يمكن توقعها حسابياً قد تؤدي إلى مشاكل استراتيجية للولايات المتحدة الأميركية تتجاوز كثيراً مجرد وجود نظام حكم لا ترضى عنه الإدارة الأميركية. فإذا لم يكن الهدف من القرار الاستراتيجي الأميركي واحداً من هذه الأهداف، فما هو الهدف الحقيقي الذي يتجاوزها ويضمها كأهداف فرعية في نفس الوقت ؟.. ورغم ان مجال الإجابة عن هذا السؤال مفتوح لاجتهادات عديدة، فانه من الصعب على أي محلل ان يضع اجابة واحدة شافية كافية لهذا السؤال الا اذا استطاع ان يتسلل إلى مراكز صنع القرار الأميركي. فهناك من وضع البترول كهدف استراتيجي من القرار الأميركي، وهناك من تحدث عن تمهيد المنطقة للعصر الإسرائيلي، وهناك من طرح هدف ضرب الإرهاب من خلال السيطرة على مراكزه المفترضة (أفغانستان، العراق، ثم.... ؟)، وهذا يعني حرباً متواصلة تشنها القوات المسلحة الأميركية على دول كثيرة وبشكل متتالي، وفي غيبة تعريف محدد للإرهاب الدولي، فأن القائمة قد تبدو بلا نهاية، أي ان تلك الحرب قد تكون حرباً إلى نهاية العالم !!.. وهذه بالطبع ليست استراتيجية دولة تريد ان تعيش بين مجتمع للدول، وإنما هي استراتيجية من يقرر مصير الكون وتوقيت نهاية العالم. ثم هناك أخيراً من يدعي ان هدف الاستراتيجية الأميركية هو مواجهة الإسلام كأيديولوجية، من خلال تكتيكات متدرجة تستهدف ضرب عناصر ومفاصل القوة في الدول الإسلامية، وصولاً إلى تفتيت النظرية نفسها، أي بنفس الأسلوب مع اختلاف في الدرجة الذي اتبع مع النظرية الشيوعية، ويبرهن هذا الرأي على صحة استنتاجه بما ورد على لسان الرئيس الأميركي نفسه (الحرب الصليبية)، وما يصدر عن بعض المسئولين ورجال الفكر الأميركيين، وهو ما يتفق أيضاً مع نظرية هينتغتون الخاصة بصراع الحضارات، ومع الانتقادات التي تزايدت للمناهج التعليمية وأسلوب الحياة في العديد من الدول الإسلامية ومنها تلك التي تحتفظ بعلاقات استراتيجية تاريخية مع الولايات المتحدة الأميركية. والمشكلة مع هذا الرأي الأخير، أنه يبدو غير واقعي، كما أنه استراتيجياً يبدو مستحيل التطبيق، فشتان بين نظرية اخترعها البشر واعتنقها جزء منهم، وبين عقيدة دينية راسخة في أعماق معتنقيها، وتبدو الحرب ضدها وكأنها حرب ضد المطلق، فضلاً عن أنها ستجر العالم إلى دوامة الحروب الدينية التي قد نعرف بدايتها ولكن لا يمكن لأحد ان يتنبأ متي أو كيف تنتهي.. وفي النهاية يبقى أننا على شبه يقين من ان الأسباب المعلنة لغزو العراق ليست هي الهدف الحقيقي من وراء قرار الإدارة الأميركية، ويمكن ان يكون الهدف هو أحد تلك الأهداف التي ذكرناها، أو بعضها أو جميعها، أو هدف آخر أقل أهمية وأكثر تفاهة من كل ما ذكر، وأياً ما كان هذا الهدف فانه في ضوء ما تقدم لا يبرر غزو العراق، أو ان ردود فعله وتوابعه سوف تحقق نتائجاً سلبية على أميركا والعالم بالشكل الذي لا يمكن ان نتصور ان مخططاً استراتيجياً سوف يقدم عليه، بحيث لا يبقى أمامنا سوى احتمال واحد هو ان الولايات المتحدة الأميركية على عظم قدرها سوف ترتكب أكبر أخطائها الاستراتيجية. ـ كاتب مصري

طباعة Email
تعليقات

تعليقات