بدون عنوان ـ تكتبها: مريم عبدالله النعيمي

الاحد 14 شعبان 1423 هـ الموافق 20 أكتوبر 2002 «ان الطبيب الذي لا يستعمل الكتب والمجلات، والذي لا يقرأ واحدة او اكثر من النشرات الطبية الاسبوعية او الشهرية فانه في النهاية سيجد نفسه في الاتجاه المعاكس لرسالته، ويصبح جزءاً من الوسط التجاري في عاداته ومعاملاته، اذ لابد لكل صاحب علم وفن ان يثابر على المطالعة، ويتابع ما يتجدد في خصوص ما يمارسه». «الطبيب البريطاني وليم اوسلر». من شأن هذه الدعوة التي اطلقها هذا الطبيب الناجح ان تقودنا الى اكتشاف الاثر الحيوي للاستمرار في التنمية الذاتية على اداء الفرد، وعلى بيئة العمل التي ينتمي اليها. وهو ما يدعو الى الاهتمام بها واخذها على محمل الجد اذا ما اراد الفرد ان يضاعف من نجاحه، ويرتقي بأدائه على النحو الافضل. غير ان فئة من الموظفين ممن يشملهم مثل هذا التوجيه وتستهدفهم مثل هذه الدعوة، يرفضون مجرد الترحيب بهذه الفكرة، ناهيك عن الرفض الشديد ليكلف احدهم نفسه عناء البحث والمتابعة، لما يستجد في ميدان تخصصه، بعد ان استلم وظيفته، واستراح على المقعد الوثير، ولم يعد ثمة داع للبحث عن مغامرات علمية جديدة تذكره بتلك الايام الثقيلة التي كان فيها طالبا على مقاعد الدراسة حيث لا يكاد يرفع رأسه من استذكار احدى المواد حتى تطل اختها برأسها في منافسة غير مقبولة للاستحواذ على وقته، واصابته بأعراض الشيخوخة المبكرة حيث لا لعب او تسلية، وانما الجد والعبوس والكآبة!! أفيكون ساذجاً ليعيد الكرة من جديد، بعد ان اسعده الحظ بمفارقة تلك الايام، وتغيير نظام حياته على نحو مختلف ليس فيه للمطالعة مكان، بعد ان تلاشت ـ حسب منطقه الضعيف ـ الاسباب الداعية لممارسة القراءة!! والسؤال الذي يفرض نفسه، لماذا هذه الخصومة بين الكتاب وبين بعض الافراد؟ ولماذا يُظن فيمن يمارسها بشكل متقطع، ناهيك عمن يواظب عليها، انه انسان دائم العبوس، معرض عن مباهج الحياة، غارق حتى شحمة اذنيه في اجواء قاتمة ليس فيها للون الوردي مكان!! ولأجل هذا الظن السقيم يصدرون حكمهم النهائي على حياة القراء بأنها حياة رتيبة تنقطع معها صلة الفرد بالعالم، ويخاصم الاحياء، وينغلق على نفسه ليصبح في النهاية هو السجين والسجان!! ومن جديد نعيد، من الذي اوصل اولئك الناس الى هذه المفاهيم المهترئة؟! ومن الذي علمهم ان الدخول الى النجاح يكون من البوابة الخلفية، فقرأوا المعادلة بالمقلوب، ورأوا الامور على نحو خاطيء، وجهلوا من حيث ظنوا العلم، واختلطت عليهم المسائل على هذا النحو البائس؟! والجواب الذي لا نشك فيه هو ان الانسان ابن بيئته فهي التي تشكل افكاره، وتكسبه المفاهيم التي من خلالها يسقط احكامه على الاشياء، ويحدد بحسبها مواقفه المختلفة. والبيئة الاجتماعية تتشكل عادة من الاسرة، والمدرسة، ومن جماعة الرفاق، ومن وسائل الاعلام، وهي البيئة الخارجية التي اصبحت تدخل من غير استئذان، وتضع المقاييس بغير ما رغبة ـ في اغلب الاحيان ـ من قبل الاسر والمربين!! وتعتبر المدرسة هي العامل الاكثر تأثيرا على شرائح المجتمع ليس لحساسية الدور الذي عليها ان تؤديه تجاه تهيئة الفرد لادواره العلمية في المستقبل فحسب، وانما لما للبيئة المدرسية من منابع قوة، وعوامل تأثير ليست متوفرة بالضرورة لدى كثير من الاسر!! مما يؤكد ان اهمال عامل البيئة المدرسية في صياغة العقلية العلمية، او في الفشل في الوصول الى تلك الصياغة هو امر لا يمكن غض الطرف عنه، ولا تهوينه، ناهيك عن البدء بسواه حيث تصبح المجاملة والإغضاء عن الاثر الفعلي للبيئة المدرسية رهاناً خاسراً، ومشروع فشل ذريع تسبب في حدوثه اولئك الذين أسقطوا من حسابهم التصدي للاجابة عن هذا السؤال. عمليا وعلى ارض الواقع: هل تستطيع مدارسنا اليوم ان تصيغ عقول الطلاب والطالبات صياغة تتناسب مع المعايير التي تتطلبها شروط النهضة الحضارية؟ ام انها اضعف من ان تقوم بهذه المهمة الملحة؟! ثم ما هي طبيعة الخطط العلاجية لاستدراك القصور والتراجع عن تقديم نماذج رفيعة المستوى قادرة على ان تعيد الى الاذهان بسلوكها المسئول المكانة المتميزة للعلم، وتجعله يتربع من جديد كواحد من اكبر عوامل الريادة في المجتمع؟! ام تظل المدارس تفرخ لنا نماذج غالب افرادها يخاصمون العلم، رغم ان بعضهم قد يتبوأ اعلى المناصب والمسئوليات؟ تلك اسئلة مفتوحة نود لو نرجيء النظر فيها الى الغد بمشيئة الله.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات