خواطر ـ فرانكفونية بيروت ـ بقلم: عمر العمر

الاحد 14 شعبان 1423 هـ الموافق 20 أكتوبر 2002 كعادتها مع زوارها منحت بيروت شيئاً من روحها الخلاقة والمبدعة للقمة الفرانكفونية. بيروت مدينة مبهرة فوق العادة دوماً، حين ترقص وحين تمتشق السلاح. بقدر ما هي أنيقة رشيقة في صالات الجمال، قادرة كذلك على المصارعة في دهاليز السياسة وجبهات القتال. الألق البيروتي على القمة الفرانكفونية تجسد في القاعة ذات النسق البانورامي التي استضافت المناسبة، لتأكيد طاقاتها على التجديد كسرت بيروت نمط البروتوكول المحنط في الاصطفاف الهجائي واستحدثت أبجديتها الخاصة للمناسبة فخصصت لرؤساء الدول والحكومات شرفة خارج الصمت التقليدي للقاعة ثم قدمت وأخرت وفق منظورها الخاص. في المقدمة حرصت بيروت على شد أوتار نسيج وحدتها الوطنية باصطفاف رجال طوائفها فجلس البطريرك الماروني صفير غريغوربوس والشيخ نصر الله أمين حزب الله وشيخ الدروز بهجت غيث واستدعت كل رؤساء الجمهورية والحكومات الباقين على قيد الحياة، وعلى أرض الوطن، فاحتشد الجميل والهراوي وكرامي والحص. تلك بيروت التي تسمو ـ حين تريد ـ فوق تشققاتها وجراحها الصغيرة. كما انعكست روح بيروت المغرّدة خارج السرب في الأداء الموسيقي ذي الطابع الأوبرالي مفتتحاً للقمة التي يتصاعد الجدل إزاء تأرجحها الباهت بين الثقافة والسياسة، لو أن غسان سلامة اكتفى باخراج القمة على النسق الذي بدت فيه انجازاً له منذ توليه وزارة الثقافة اللبنانية لكفاه في القمة الفرانكفونية طابع يؤكد افادة سلامة من تجربته في اخراج قمة بيروت العربية. وأكاد أجزم بأني لمست بصمات سلامة في خطاب أميل لحود، خاصة في التأكيد على الفرز بين الحوار والصراع لاثبات خطل مصطلح «صراع الحضارات» من منطلق مفهوم الحضارة فعل عظيم يؤسس للحوار ولا يفتح جبهة للصراع. في هذا المدار يبرز عقل المفكر أكثر من رؤية السياسي، لذلك ألمح سلامة أكثر من غيره. كما المصافحة التلقائية بين نصر الله وصفير تتجاوز استناداً للاطار الذي جرت فيه الدلالة المجردة والمباشرة للقاء رجلين بقامتين سامقتين ووزن ثقيل في محيطهما الطائفي، فإن اللقاء يكتسي دلالة وطنية إذ انه الأول من نوعه، وقد يدفعه البعض ـ إن لم يذهب بنفسه ـ لجهة حوار بين الموارنة وحزب الله. غير ان الأكثر من أهمية هذه المصافحة يتمثل في ظهور نصر الله في القمة الفرانكفونية. فظهور أمين حزب الله في مناسبة دولية تستضيفها الدولة اللبنانية يمنحه اعلاناً مستهدفاً لذاته من قبل الدولة ذاتها لزعيم حزب مقاتل. من المؤكد ان الاعلان يمضي على طريقة إبلاغ رسالة الى جهات أخرى ممثلة في المناسبة المستضافة وأخرى غائبة. ذلك شيء من روح بيروت المصادمة. اميل لحود ظفر بما لا يظفر به العديد من الرؤساء، إذ ترأس بالتزامن قمتين عربية وفرانكفونية. بقدر ما خرجت الأولى برسالة قومية الى العالم جاءت الثانية تشكل بلاغاً إلى العالم. ربما لم يكن جاك شيراك أكثر جرأة وصراحة في مصادمته للهيمنة الأميركية مثلما هو في بيروت. الرئيس الفرنسي إذ يقبل بالقوة لغة تحاول أميركا فرضها على العالم يعتبرها خياراً أخيراً يمكن القبول به. لكن اعتبار الفرانكفونية منظمة أو تجمعاً يمكن الرهان عليه يفضي حتماً الى السقوط في الفخ. باريس نفسها لم تنج من الهيمنة الأميركية في بعديها السياسي والثقافي منذ ديغول الى شيراك، حتى لتكاد المواقف الفرنسية المميزة على الصعيد السياسي ليست سوى مقاومة لذلك التقول الأميركي. شيراك سياسي مخضرم يحذق فن الظهور المناسب على المسرح، لذلك كان ناطقاً بالعربية في مواقعه إزاء قضيتي السلام والعراق فاستأثر هنا بالاحترام. كما لا تستطيع المنطقة النطق بالفرانكفونية فإن فرنسا لن تثني قضايا المنطقة إلا بما يخدم مصالحها. فرنسا تدرك حجمها على الصعيد الدولي وهي تتحرك على قدر ما تتيح لها براعتها الدبلوماسية ولا تستند الى ثقلها العسكري. التجمع الفرانكفوني لم يرد له أن يكون منظمة مصادمة للأمم المتحدة أو بديلة عنها حتى في ظل سعي أميركا لجعل المنظمة الدولية مطية نحو غاياتها. في البدء أسبغت فرنسا على غزوها طابعاً ثقافياً تداري به مآربها الاستعمارية، في حين لم تلجأ بريطانيا للمراوغة في مقاصد نهب ثروات الشعوب. الحياء لايزال غلالة فرنسية بينما ورثت أميركا فيما ورثت عن بريطانيا تلك الفجاجة. بيروت اكتسبت شيئاً من غلالة الحياد الفرنسي لكنها تملك الجرأة على مواجهة الفجاجة الأميركية.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات