خط مباشر ـ اندونيسيا.. تدبير أميركي ـ بقلم: أحمد عمرابي

السبت 13 شعبان 1423 هـ الموافق 19 أكتوبر 2002 لا تندهشوا اذا رأيتم غدا او بعد غد على شاشات التلفزيون عبارة «خبر عاجل ـ انقلاب في اندونيسيا». ولا تندهشوا اذا جاء استيلاء الجيش على السلطة بناء على تدبير من وكالة الاستخبارات المركزية الاميركية. ولا تندهشوا اذا اتضح عملياً ان اجندة الطغمة الانقلابية تتكون من بند واحد: حملة دموية كاسحة لاستئصال كافة المنظمات والشخصيات القيادية المعارضة للولايات المتحدة باسم مكافحة «الارهاب» و«التطرف الديني». ان المشهد السياسي الاندونيسي الآن بعد حادثة «بالي» التي راح ضحيتها اكثر من 200 شخص من الجنسيات الاسترالية والبريطانية والاميركية تطغى عليه فوضى عارمة يغذيها ويضاعف من حدتها مناخ من الشائعات والتسريبات الاعلامية التي تتجدد على مدار الساعة.. وكأن الهدف الخفي المقصود هو تهيئة الشارع لتحرك مدبر من الجيش للاستيلاء على السلطة بحجة «انقاذ» البلاد من الفوضى وتحقيق الاستقرار.. ومن ثم وعلى خلفية «حالة طوارئ» تستمر الى الابد، يشرع الجنرالات في تنفيذ حملة تصفيات دموية باسم «تطهير البلاد من المنظمات الدينية المتطرفة». مثل هذا جرى في اندونيسيا بالفعل عند منتصف ستينيات القرن الماضي على يد الجنرال سوهارتو. والفارق بين ما جرى بالأمس وما قد يحصل اليوم هو ان ضحايا المذابح التي نفذها سوهارتو كانوا من عناصر اليسار وفي مقدمتهم الحزب الشيوعي الاندونيسي. لقد كان تدبيراً اميركياً خالصاً على يد وكالة الاستخبارات المركزية.. فلم يكن الجنرال سوهارتو قائد الجيش آنذاك ومساعدوه الكبار سوى اداة تنفيذية وكما نعلم فإن سوهارتو بقي في السلطة لمدى اكثر من 40 عاماً تحولت اندونيسيا خلالها الى مستعمرة اميركية وسوهارتو وابناؤه الى مليارديرات. الآن تستهدف الولايات المتحدة «الخطر الجديد». فالفراغ السياسي الكبير الذي تركه اليسار الاندونيسي بعد مذابح متصلة طالت نحو مليوني شخص قام بملئه التيار الاسلامي الراديكالي.. وفوضى الاشاعات والتسريبات السائدة الآن تبدو وكأنها مقدمة مدبرة لاعادة انتاج ما حدث عام 1965. والشائعة الكبرى التي تتصدر غيرها من الشائعات الآن في المشهد الاندونيسي بعد «بالي» اطلقتها صحيفة محلية. وتقول الرواية الاخبارية التي اسندتها صحيفة «كوران تمبو» ان حادثة «بالي» من تدبير وتنفيذ سبعة اندونيسيين بالاضافة الى «قائدهم» ولكي يكتمل الايحاء المقصود فإن الصحيفة تقول ان هذا «القائد» من بلد عربي. ولم يقل نص الرواية الاخبارية ان هذا «القائد» ينتمي الى تنظيم اسلامي.. وهو حذف مقصود لترك هامش للقارئ لكي يستنتج ذلك بنفسه حتى تكتسب الرواية في ذهنه اعلى درجة من المصداقية. لكن كيف حصلت الصحيفة على هذه «المعلومة». ان الرواية اسندت الى «مصدر في الشرطة».. هكذا دون ان تسمي الصحيفة هنا «المصدر». وما زالت التسريبات تتوالى. من وراء البحار نشرت صحيفة «واشنطن بوست» الاميركية رواية اخبارية مفادها ان ضابطاً في سلاح الجو الاندونيسي «اعترف» بتصنيع القنبلة التي استخدمت في حادثة تفجير الملهى الليلي في «بالي». وهنا وقع تضارب.. فقد نقلت وكالة الانباء الاندونيسية الرسمية عن «مصدر أمني» ان الضابط ليس رهن الاعتقال لكنه يخضع للاستجواب «لأن معلوماته قد تكون مفيدة للتحقيق». في هذه الاثناء واصلت الادارة الاميركية ممارسة ضغوط متعاظمة على حكومة الرئيسة المنتخبة ميغاواتي سوكارنو لحملها على اصدار تشريع قانوني جديد يبيح لسلطات الامن اعتقال اي شخص دون اذن قضائي واحتجازه الى اجل غير مسمى دون تقديمه الى محاكمة. ولا يخفى ان المقصود بهذا التشريع هو قيادات وعناصر المنظمات الاسلامية تحديداً. وباستجابة الرئيسة الاندونيسية للضغط الاميركي فإنه يمكن القول ان سيناريو تدخل الجيش لتولي السلطة قد بدأ. لقد ظلت السيدة سوكارنو تتردد طويلاً حيال مشروع قانون كهذا موجه ضد المنظمات الاسلامية لانها تعتمد على هذه المنظمات وقواعدها الجماهيرية ولهذا السبب ظل مشروع القانون هذا نائماً على منضدة البرلمان لمدى ثلاثة شهور حتى الآن منذ يوليو، ولا شك ان الادارة الاميركية رأت الآن انه نشأت فرصة نادرة لحمل الرئيسة الاندونيسية على اصدار القانون بمرسوم جمهوري استغلالا لحالة الطوارئ المعلنة منذ حادثة «بالي». ولكن ماذا لو تلكأت الرئيسة الاندونيسية في تطبيق القانون او انها لم تتحرك بحماسة في اجراء حركة اعتقالات واسعة في صفوف المنظمات الاسلامية على نحو ما تطالب به الادارة الاميركية؟ ربما تكون هذه هي الذريعة التي تتطلع اليها الادارة الاميركية للمضي قدماً في تطبيق السيناريو الانقلابي. وينبغي الا نندهش اذا رأينا في الايام والاسابيع المقبلة حملة اعلامية مدبرة اميركياً موجهة ضد حكومة السيدة سوكارنو لتهيئة الشارع للانقلاب المرتقب. وفي كل الاحوال فإن اندونيسيا موعودة كما يبدو بحمام دم على غرار ما جرى قبل اربعين عاماً.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات