إلى اللقاء ـ نبذ الجمال ـ بقلم: حسين درويش

السبت 13 شعبان 1423 هـ الموافق 19 أكتوبر 2002 لماذا تراجعت ذائقة الناس رغم كل هذا التقدم وهذا التطور؟ ولماذا أصبح المشهد الجمالي أقل حضوراً في حياتنا المعاصرة، وأين ذهبت تلك المباهج التي كانت طريقاً لفهم الحياة والتصالح معها؟ أسئلة كثيرة باتت إجاباتها في أعماق مؤلمة، وبات معها الناس أميل إلى الإقرار بواقع الثياب القذرة بدلاً من الثياب النظيفة، والسيارة المجعلكة بدلاً من المستوية المستقيمة، والشعر المنكوش بدلاً من المسرّح، والأحذية الباهتة بدلاً عن اللماعة الزاهية. إن سقوط الجمال كقيمة إنسانية عليا من ذائقة الناس مؤشر سلبي على تدهور فهم الحضارة ودورها في سعادة الإنسان وراحته، ولعل وجود التقنية المتطورة في يومنا هذا ساهم كثيراً في انحياز الإنسان إلى الإهمال المظهري والاهتمام التقني وبالتالي أصبحت هذه المفردات أقل قيمة جمالية ومنها نذكر: إن البدلة الأنيقة واضحة الألوان ولّت وحل محلها بنطال فضفاض كالح اللون يشبه أعمدة الخراسانات الأسمنتية وفوقه قميص منقوع بماء المخلل مزموم عند البطن منتفخ حول الرقبة، وكان نجم السينما مقياساً للأناقة وهكذا أصبحت صور كلارك غيبل عالمياً هي مصدر الأناقة الملهمة وصور آلان ديلون على جدران الشباب لجمال قمصانه ونعومة تسريحة شعره وكان رشدي أباظة عربياً مفتاح الشخصية الرجولية لحُسن اختياره لباسه ودقة رسم شاربيه ورزانة حديثه. والمرأة لم تكن بمنأى عن تراجع المفهوم الجمالي مظهرياً، فقد أسست ثورة النحافة لمفهوم جديد عن علاقة المرأة بالثياب، إذ شهد مطلع القرن العشرين نحتاً قاسياً للجسد أصبحت معه المرأة أشبه بالساعة الرملية حيث يضيق الخصر الى تلك الدرجة التي يظن المرء انها بدون احشاء! ثم طور الفرنسيون مفهوم النحافة الأنيقة إلى زيادة بضع بوصات على الجسد تركزت معظمها في منطقة الخصر لتصبح المرأة أشبه ما تكون بزجاجة الكوكا كولا وهو ما يناسب القمصان المزمومة عند الخصر ومن ثم التنورة العريضة القصيرة أو الطويلة حتى جاءت الخمسينيات بثورة الجينز التي أطاحت بالأنوثة وساوت بين الرجال والنساء في شكل ولون واحد أصبح شعاراً لتلك المرحلة. إلا أن مفهوم الجمال رغم تلك الثورة لم يكن متردياً بل كان متفوقاً انسحب على مجمل مظهريات الحياة من السيارة الكلاسيكية إلى الأثاث المريح وصولاً إلى المنزل الواسع مروراً بالثياب والشوارع والمحال التجارية وغيرها. ما يدفع اليوم للحديث عن تردي الواقع الجمالي هو ما نلمسه ونراه الآن حولنا من مظهريات ميالة إلى نكران الجمال وعدم إيلائه دوراً في المشهد البصري، فالسيارة اليوم مقصوصة الأنف أو بدون صندوق خلفي والمنزل صغير، حمامه في مطبخه وصالته في غرفة نومه، وثياب اليوم لونها باهت وترابي لا حس ولا أناقة فيها ناهيك عن شعر أشعث أغبر كأن مشطاً لم يزره منذ شهر. ومع تحول الجماليات إلى نخبويات يصبح من العسير الآن الاعتراف بذائقة جمالية للعصر لأن المسافة أصبحت بعيدة بين فهم الجمال واستساغته وانتاجه ودليلنا إلى ذلك نظرة سريعة على ما حولنا للاعتراف بحقيقة تراجع ذائقة الناس تراجعاً مخيفاً يؤدي إلى نبذ الأناقة ومفرداتها ومصادقة الإهمال وملحقاته! E.mail:H-S-D@maktoob.com

طباعة Email
تعليقات

تعليقات