خط مباشر ـ بدهيات! ـ بقلم: أحمد عمرابي

الجمعة 12 شعبان 1423 هـ الموافق 18 أكتوبر 2002 أحيانا تكون الحقيقة البدهية مصدر إدهاش رغم انها بدهية. يحدث هذا عندما يزدحم الأفق بالاقاويل الباطلة حتى يحسب الناس ـ إلا ما رحم ربي ـ انها الحق وان سواها الباطل. هذا الاسبوع صدر قول بدهي عن اثنين من رؤساء العالم الاسلامي: حسني مبارك رئيس مصر ومهاتير محمد رئيس حكومة ماليزيا. والموضوع هو الترسانة النووية الاسرائيلية. وبالطبع فان مغزى هذا القول لا يدرك تماما إلا اذا قريء على خلفية القيامة المزيفة التي اقامتها الولايات المتحدة بشأن العراق فيما يتعلق بادعاء امتلاكه اسلحة دمار شامل بينها اسلحة نووية. الرئيس مبارك نادي بضرورة جعل منطقة الشرق الاوسط خالية من اسلحة الدمار الشامل. وانطلاقا من هذه الدعوة قال: اذا كنا نبحث عن اسلحة الدمار الشامل في العراق فيجب ان نبحث عنها ايضا في اسرائيل لانها ايضا تهدد المنطقة. وقال انه لابد ان تكون هناك عدالة في هذا الموضوع.. «ولابد ان يأتي الدور على اسرائيل فيما يتعلق بازالة اسلحة الدمار الشامل». ومع ذلك فان الرئيس الأميركي بوش لايبدو ـ رغم تصميمه على شن حرب عقابيه ضد العراق ـ واثقا تماما من ان العراق يملك فعلا سلاحا نوويا. فتصريحات الرئيس الأميركي وبيانات ادارته المتواترة مؤخراً تتمحور حول توفر قدرات لدى العراق تمكنه من صنع سلاح نووي في المستقبل. هو إذن «احتمال». ومن هذا «الاحتمال» ينطلق حديث رئيس الوزراء الماليزي. لقد كان مهاتير محمد يتحدث الى المؤتمر الدولي النووي المنعقد هذا الاسبوع في العاصمة الماليزية كوالالمبور.. فأشار الى المعايير الازدواجية التي تتعامل بها القوى النووية الكبرى للحد من انتشار السلاح النووي. ولا يخفى ان القوة النووية الكبرى المعنية بهذه الاشارة دون غيرها هي تحديدا الولايات المتحدة. وقال مهاتير: اذا كانت دولة ما تطور سلاحا نوويا هي في نفس الوقت حليف لقوة نووية كبرى فانه في هذه الحالة لايتخذ اجراء للحد من هذا التطوير. اما اذا كانت دولة ما غير حليف فان القوة العسكرية والغضب ينصبان عليها. والمقابلة لا تحتاج لذكاء او جهد فالمثال الأول هو اسرائيل والثاني هو العراق. ومن التلميح انتقل مهاتير الى التصريح فقال انه ليس هناك ضغط على اسرائيل للقضاء على اسلحتها النووية وانما يمارس هذا الضغط على دول اخرى. واذا كان العراق يتعرض لعقاب عسكري اميركي لمجرد «احتمال» بأنه «يسعى» للحصول على السلاح النووي فلماذا لا تطبق هذه القاعدة على دول أخرى؟ اسرائيل مثلا؟ أجل.. هذه اقوال بدهية. ومع ذلك فان الرئيسين مبارك ومهاتير جديران باشادة. فحتى الاقوال البدهية تنطوي على قيمة عليا معينة عندما تطلق في وجه عواصف مناوئه من الكذب والاباطيل.. وخاصة انها عواصف تهب من ناحية قوة عظمى تعتمد الناب والمخلب كوسيلة للتعامل مع العالم. ولكن هل يكفي ان نتوقف عند حد اطلاق الاقوال البدهية على قيمتها في هذا الظرف الاستثنائي؟ واذا كان السؤال موجها الى قادة العالم الاسلامي بوجه عام فانه موجه الى قادة العالم العربي بوجه خاص. فالسلاح النووي الاسرائيلي موجه الى الامة العربية أولا ثم الى الامة الاسلامية ثانيا. وربما يجد القادة العرب حرجا في الاصطفاف مع العراق علنا ضد الولايات المتحدة. وربما يمنعهم استشعار هذا الحرج من شن هجوم دبلوماسي مباشر ضد واشنطن فيما يتعلق بالمسألة العراقية لكن هناك مخرجا متاحا. فلتواصل الدول العربية مساندتها لادارة بوش في اتهام العراق بامتلاك او السعي لامتلاك اسلحة دمار شامل.. ولكن ينبغي ان تجعل هذه المساندة مشروطة بأن تطالب الادارة الاميركية ايضا بنزع السلاح النووي الاسرائيلي. وفي الحقيقة فان الجدير بالقادة العرب هو ان يساعدوا العراق في اقامة برنامج نووي وتطوير هذا السلاح طالما ظلت اسرائيل تحتفظ بترسانتها النووية. فالعراق النووي لا يشكل خطرا إلا على الدولة اليهودية. اما السلاح النووي الاسرائيلي فانه ليس موجها إلا الى دول وشعوب الامة العربية تحديدا. وصفوة القول اننا امام أحد أمرين: إما ان تكون منطقة الشرق الاوسط كلها بما فيها اسرائيل خالية تماما من اي سلاح نووي او اي من اسلحة الدمار الشامل الاخرى.. واما ان يكون للعرب برنامج نووي ممثلا في العراق او اي دولة عربية اخرى اذا كانت اسرائيل تصر على بقاء سلاحها النووي.. واذا كانت الولايات المتحدة مصرة على حماية اسرائيل في هذا المجال. وعندما تقول الادارة الاميركية للقادة العرب: ساندونا في تجريد العراق من اسلحة الدمار الشامل فان على القادة العرب ان يقول: نعم.. ولكن بشرط ان تساعدونا انتم في تجريد اسرائيل من ترسانتها النووية ومخزونها من الاسلحة الكيماوية والجرثومية.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات