أميركا واغراءات تطبيق السيناريو الافغاني في العراق ـ بقلم: د. خير الدين العايب

الجمعة 12 شعبان 1423 هـ الموافق 18 أكتوبر 2002 ان ما يريده الرئيس الاميركي من حملته الجديدة لضرب العراق ليس إرغام العراق على الاستجابة للقرارات الدولية انما الاطاحة بالرئيس العراقي، لا غير، كما ان انهاء الملف العراقي سوف يفتح الباب امام الادارة الاميركية لاحتواء ايران وارغامها على تغيير سياستها العدائية من الولايات المتحدة الاميركية. فتتغير النظام في بغداد يعني فيما يعنيه ان الولايات المتحدة الاميركية قد اسست قاعدة ثابتة لها في المنطقة ومن خلالها سوف تستطيع ان تحتوي ايران وتضغط عليها من الداخل، لان قواتها سوف تكون على مقربة من الحدود الايرانية العراقية وهو ذات السيناريو الذي طبقته الادارة الاميركية مع باكستان، حيث ان دخول قواتها افغانستان جعلها تقترب من المجال الباكستاني وتراقب عن قرب التحرك العسكري الباكستاني واستطاعت ان ترغم النظام الباكستاني على اتخاذ قرارات صعبة كان يستحيل عليه اتخاذها لو لم تتدخل الولايات المتحدة الاميركية في افغانستان عسكرياً، وهذا ما تتخوف منه ايران، ان تقدم الولايات المتحدة الاميركية على تغيير النظام العراقي وتصبح العراق قاعدة اميركية للضغط على ايران. لذلك نفهم لماذا ترفض ايران ضرب العراق في الوقت الحالي لانها تعرف ان الضربة تستهدفها هي هذه المرة اكثر مما تستهدف العراق. علاوة على ذلك ان ضرب العراق واحتواء ايران يعني فيما يعنيه ان الولايات المتحدة الاميركية تقدم خدمة كبيرة لاسرائيل التي لا تزال تتخوف من احتمال توجيه العراق او ايران ضربة خاطفة اليها، ولذلك فان تغيير النظام العراقي واحتواء ايران سوف يزيد من غطرستها ووحشيتها ضد الفلسطينيين لانهم في هذه الحالة لن يتبقى لهم لا السند العربي ولا السند الاسلامي، وهذا ما يسعى بوش اليه بعد حوادث 11 سبتمبر. يمكن القول ان الهجوم العسكري الاميركي على العراق اصبح وشيكا حسب تصريحات المسئولين الاميركيين بالرغم من موافقة العراق على عودة المفتشين عن الاسلحة، لكن: هل في مقدرة الدول العربية مجتمعة ايقاف هذه الضربة على اعتبار ان العراق بلد عربي من واجب الدول العربية حمايته والدفاع عنه خاصة انه لم يثبت حتى الان ان العراق هدد اي بلد عربي أو انه يخزن اسلحة نووية كما تدعي ذلك الادارة الاميركية وبريطانيا؟ غياب المسوغات حتى الان عجزت الادارة الاميركية عن تقديم مسوغات تبرر هجومها كما انها عجزت عن اقناع الدول الحليفة لها بمشاركتها في الهجوم الذي اصبح في حكم المؤكد.. للحقيقة ان الادارة الاميركية الحالية تعرف مسبقاً حجم العرب الحقيقي فهم في نظرها دول مشتتة لا حول ولا قوة لها وغير قادرين على اتخاذ موقف واحد وحتى لو ضرب العراق فانهم لن يحركوا ساكنا، والدليل انهم عجزوا عن مواجهة ارييل شارون الذي يتوسع كل يوم في اغتصاب أراضٍ جديدة على مرأى من كل العرب. اليوم نحن نعيش في عالم لا يعترف بالسياسة والدبلوماسية والمصالح المتبادلة فمثل هذه المفردات لا وجود لها في القاموس الاميركي، ومايهم هذه الأخيرة هوتحقيق مخططاتها حتى لو عارضها المجتمع الدولي كله لانها مقتنعة بان اي قوة أو دولة ليس في استطاعتها ان تواجه الولايات المتحدة الاميركية، ومن هنا حولت الادارة الاميركية الولايات المتحدة الى قوة تعمل على استبعاد الشعوب المغلوبة على امرها وسلبها حرياتها وارغامها بالقوة على أن تكون تابعة للولايات المتحدة، وهذه السياسة هي ذات السياسة التي طرحها مورجانتو عندما قال ان القوة هي الاساس في تحقيق المصلحة والامن.. يعد نائب الرئيس الاميركي ديك شيني ووزير الدفاع دونالد رامسفيلد من اكثر المسئولين الاميركيين المتأثرين بفكر مورجانتو وهوبز الذي قال ان الانسان ذئب لاخيه الانسان. وإذا كنا نحن العرب لا نزال غير قادرين على فهم محددات الفكر السياسي الاميركي الجديد الذي تتبناه الادارة الحالية (يجب ان نعترف بذلك)، فان الدول الاوروبية يظهر انها اكثر منا دراية وعلما بخلفيات الفكر الجديد الذي يهدف الى احتواء مناطق النفوذ العالمية للمحافظة على الامن وضمان المصالح. وهذا ما حققته الادارة الاميركية باحتلالها لافغانستان واعلانها على الملأ بانها غير مستعدة لسحب قواتها الى حين استتباب الامن، لكن الحقيقة غير ذلك فبحسابات سياسية وبلغة المصالح فان الولايات المتحدة الاميركية ضمنت ما عجز عن تحقيقه الاتحاد السوفييتي السابق في افغانستان، فالولايات المتحدة اصبحت اكثر قرباً من روسيا التي لا تزال تشكل تهديدا نوويا عليها وهي تريد تضييق الخناق على هذا البلد لكي لا يشكل عليها اي خطر في المرحلة الجديدة التي تريد من خلالها ادارة العالم من دون اي منافسة، ومن جهة اخرى فإن قربها الجغرافي من المحيط الآسيوي سوف يضمن عبور سفنها النفطية نحو آبار بحر قزوين ولن تحقق ذلك برأيها الا بغطاء عسكري يكون قريبا من المجال النفطي في هذه المنطقة. قلب المفاهيم وبعد ان فرغت من الملف الافغاني ها هي تعمل جاهدة على احتواء العراق الذي يشكل من الوجهة الجيواستراتيجية مركز المجال الشرق اوسطي، فالوجود العسكري الدائم في العراق سوف يجعل الولايات المتحدة الاميركية تقترب من المجال الجغرافي الايراني الذي لا تزال الادارة الاميركية غير غافلة عنه لما يمتلكه من مخزون نووي ترى أنه يهدد مصالحها في المنطقة ومصالح اسرائيل، لذلك نفهم القلق الذي تعيشه ايران والذي يتخوف من احتمال ضرب الادارة الاميركية للعراق وتغيير النظام فيه لانه لو تحقق ذلك فان ايران سوف تكون الخاسرة من الوجود العسكري الاميركي في العراق، اذ سوف تضيق الولايات المتحدة الخناق عليها وهو ما دفع بالنظام الايراني الى المسارعة بالاعلان عن تعاونه مع الادارة الاميركية في الحرب على ما يسمى بالارهاب الدولي اعتقادا منه بانه سوف يكسب ود الادارة الاميركية، وما لم يفهمه الكثير منا ان كل ما يجري في العالم الحالي، والذي تقف الولايات المتحدة الاميركية وراءه سببه رغبة هذه الاخيرة تثبيت نظامها الدولي لكي تستريح من مشاكل العالم وتلتفت لمشكلاتها الداخلية فبالأمس حلت مشكلة افغانستان وغدا مشكلة العراق وبعد غد سوف يأتي الدور على كل دولة ادرجت في خانة ما يسمى محور الشر!! ومع كل ذلك تجد الادارة الاميركية نفسها في مأزق صعب من ملف العراق يتجلى في فشلها باقناع ما تسميهم حلفاءها بالانضمام الى خططها العسكرية لضرب العراق. فالقضية ليست صدام حسين في شخصه بل القضية هي رغبة قوة عظمى في تغيير نظام سياسي بالقوة لسبب انه يعارض سياستها الدولية، لذلك نقول انه اذا نجحت الولايات المتحدة في تغيير النظام العراقي فإن الدور سوف يكون على أنظمة عربية أخرى لا تزال تعارض التوجهات الاميركية خاصة في الشرق الأوسط، فسوف تتخذ في حق هذه الدول اجراءات رادعة لارغامها على تغيير سياساتها تجاه الولايات المتحدة الاميركية وتحديدا موقفها من اسرائيل .. فالدور سوف يكون على ايران وسوريا وقد بدأت بعض الصحف الاميركية تلمح الى احتمال ان تلتفت الادارة الاميركية الى هذين البلدين بعد ان تكمل ملف العراق.. هذا هو السيناريو العلني الذي تعمل من اجله الولايات المتحدة الاميركية وللاسف انها لم تخف ذلك بل كل الصحف الاميركية تتحدث عن المخططات الاميركية المستقبلية من اجل تثبيت النظام الدولي الجديد الذي تسعى الولايات المتحدة لتثبيته، لكن من دون ان تكون فيه انظمة سياسية «مارقة» بالمفهوم الاميركي. لكن هل في مقدرة الولايات المتحدة ان تصل الى هدف تغيير كل الانظمة السياسية التي تعارض سياستها الدولية؟. ـ كاتب جزائري

طباعة Email
تعليقات

تعليقات