بدون عنوان ـ تكتبها: مريم عبدالله النعيمي

الخميس 11 شعبان 1423 هـ الموافق 17 أكتوبر 2002 لم يكن الاسلام متهما كما هو اليوم، ولم يكن المسلمون في حالة تخبط وتيه عن ادوارهم المطلوبة تجاه وقف التراجع والانهيار على المستويات السياسية والفكرية والتنموية كما هم الآن!! والقادر ـ بعد الله ـ على تخليص الامة من هذه الظروف الحرجة ليس هو شخصاً بمواصفات السوبر مان، او الرجل الوطواط، وليس هو طرزان شرق اوسطي جديداً يلاحق المجرمين في الغابة وينصب لهم الفخاخ، ويصطادهم كالطرائد!! كما ان النموذج الاميركي في تقديم الحل على يد ابطال هوليوود ليس هناك مجال لقبوله، ناهيك عن إعادة تصنيعه بملامح شرق اوسطية، وملابس عربية، اذ ليس هناك استعداد للترحيب بهذا النوع من التفكير، المنطلق من نظرة ساذجة ومسرفة في الخيال الى حد بعيد!! وبنفس المبدأ الذي نرفض به فكرة استخدام القوة كخيار وحيد لمعالجة المشاكل، نرفض الاعتقاد بأن الحل النهائي سيأتي على يد شخص واحد، او من مدرسة فكرية واحدة، تخرج عن السياق العام، الذي احترم افراده على اختلاف مدارسهم الفكرية، وآرائهم السياسية القانون الدولي، ولم يشأ احد منهم ان يتمرد على ذلك القانون، في حين اختارت مدرسة واحدة الخروج عن ذلك الخط، وارادت ان تفرض رأيها على العالم بطريقة مختلفة وخطرة. ولو اردنا استقراء الواقع، وامعنا النظر في اسباب افراز هذه الظاهرة لطال الاخذ والرد، ولكبرت مساحة اللوم والعتاب، واخذت في طريقها ذلك الجمهور الغفير الذي لم يوظف وقته ولم يسخر ادواته الخاصة في اشاعة اجواء صحوة تنعش الذاكرة العربية والمسلمة، وترفع رصيد المعرفة بالاسلام الصحيح لدى افراد المجتمع، وتكشف الغشاوة عن وجوه الناس، لتضعهم مباشرة وجها لوجه امام مسئولياتهم الفردية والجماعية في تقديم الانموذج الأقدر على تجسيد قيم الاسلام بالصورة الصحيحة والطريقة الأمثل. لقد غاب عن الضمير الجماعي، وعن الذاكرة الشعبية تلك الادوار المحورية التي كان واجبا القيام بها تجاه فهم طبيعة العلاقة بالآخر، والالتزام بصيانة المكتسبات القيمية، والمباديء الحضارية التي بنى عليها الاسلام مشروعه في اسعاد الانسان، وانجاح ادواره في الحياة. كل تلك المسائل لم تكن حاضرة في اذهان اغلب افراد هذه الامة نتيجة الانكفاء على الذات، وانشغال كل فرد باموره الخاصة التي استحوذت عليه، فأكلت من روحه، وسلبت من مشاعره واحساسه بالمسئولية تجاه عقيدته، وهمشت من ادائه وجعلته ضئيلا الى الدرجة التي لم يعد مجديا مجرد التفكير ان مثله يعول عليه في خدمة قضايا المجتمع. هذا الافلاس في المخزون الثقافي، وذاك الجمود في المواقف العقلية، اضافة الى الضعف في الشعور بالانتماء الى هدف اكبر من مجرد الانحياز للنفس، والاهداف الضيقة، صاحبه عزوف على مستوى العمل الرسمي عن اشاعة ثقافة جادة تحترم عقل المتلقي، وتؤمن بالمنهج العلمي في البحث، وتعلي من شأن الحوار، وتفتح نوافذ العقل ليسيح في عالم المعرفة، ويدرك سنن الشريعة الاسلامية، وقوانينها الواضحة في التعامل مع الاختلاف في الرأي، ناهيك عن التعامل مع اتباع الاديان الاخرى. لقد اعرضت المؤسسات الرسمية عن تحمل تبعات هذا الدور، وانصرفت الى غيره، غير مكترثة بهذا الفراغ الرهيب الذي خيم على العقل المسلم، وجعله صيدا لكل فكر متطرف، ولكل دعوة غريبة. والمعروف ان الفراغ العقلي هو البيئة المثالية لنمو الافكار الخاطئة، اذ ينعدم وجود أرضية ثابتة، وميزان صحيح قادر على التغيير والمقارنة والنقد الموضوعي في ظل تحييد مصادر التلقي الصحيحة وتجاهلها التام. واذا ما اضيف اليها الفراغ الروحي، فان اشباع هذا الفراغ عن اي طريق يغدو ممكنا. واذا ما جاء شخص حاملا معه راية الدين، فيكفيه ليرشح من قبل الغوغاء على انه الشخص المناسب لينصب قدوة شرعية منه تؤخذ التوجيهات ومن مدرسته تستلهم الافكار والنظريات. وهو ما يقودنا الى توجيه اللوم الشديد، والعتاب القاسي الى اولئك الذين اسندت اليهم ادارة مؤسسات التوعية والتوجيه، واشرفوا على منابر التأثير في المجتمع، ثم ضيعوا آلاف الفرص في استقطاب النخب الفكرية الجديرة بأن تملأ ذلك الفراغ في المحيط الاجتماعي، ولكنهم اعرضوا ورفضوا وذهبوا بالناس في اتجاه تمييع القضايا الجديرة بالاهتمام، وجعلوها مرة المذاق، مجهولة المحتوى والغاية.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات