خط مباشر ـ السودان والعقاب الأميركي (2 ـ 2) ـ بقلم: أحمد عمرابي

الاربعاء 10 شعبان 1423 هـ الموافق 16 أكتوبر 2002 إذا وقّع الرئيس بوش على مشروع القانون الذي أجازه الكونغرس وينطوي على فرض عقوبات على الحكومة السودانية فصار قانوناً نافذاً فإن هذه الموافقة الرئاسية سوف تترتب عليها تلقائياً نتيجتان على الصعيد العملي: أولاً، انتهاء دور الوساطة الأميركي بين الحكومة السودانية وحركة التمرد، وثانياً، انغلاق باب الاستثمار النفطي في السودان أمام شركات النفط الأميركية. إن أبرز العقوبات التي ينطوي عليها مشروع القانون هي: ـ خفض العلاقات الدبلوماسية الأميركية مع السودان.. كتمهيد لتعليقها لاحقاً. ـ السعي لدى المؤسسات المالية الدولية للامتناع عن منح السودان أي قرض أو ضمان لقرض. ـ تشجيع مجلس الأمن الدولي على فرض حظر على استيراد الأسلحة إلى السودان. والاقتراح العام الذي ينطوي عليه مشروع القانون هو أن تطبق الإدارة الأميركية هذه العقوبات كلياً أو جزئياً خلال ستة شهور في نفاذ القانون إذا شهد الرئيس الأميركي كتابة أمام الكونغرس «بأن حكومة السودان لم تنخرط بحسن نية في المفاوضات (مع حركة قرنق) من أجل الوصول إلى اتفاقية سلام دائم وعادل ومنصف...». ولكن ما هي العقوبات التي تطبق على حركة التمرد إذا ثبت أنها، وليس الحكومة، هي الطرف الذي لم ينخرط بحسن نية في المفاوضات؟ وفقاً لمشروع القانون فإن الحركة لا تقع عليها أية عقوبات في هذه الحالة! وليست هذه هي الفقرة الوحيدة في مشروع القانون التي تعكس تحيزاً فاضحاً بسوء نية لصالح حركة التمرد وضد الطرف الحكومي. فمشروع القانون من أوله لآخره عبارة عن سرد تجريمي طويل ضد الحكومة السودانية.. وبالأحرى ضد الشمال السوداني ذي الأغلبية المسلمة.. فهكذا، من منظور صليبي، ينظر تحالف اليمين المسيحي ـ الصهيوني النافذ في الكونغرس إلى مشكلة جنوب السودان. فالطرف الشمالي المسلم من منظور مشروع القانون هو المسئول عن تأجيج الحرب و«استرقاق» الجنوبيين بالجملة وتسخير العائدات النفطية من أجل تصعيد الحرب عمداً وممارسة الإبادة الجماعية عن طريق القصف الجوي ضد مناطق المدنيين... إلخ. ومما يجتذب الانتباه أيضاً في وثيقة مشروع القانون كثرة البنود المخصصة لمنظمات «الإغاثة» وأنشطتها. في عين القارئ الساذج تبدو هذه البنود في غاية البراءة من حيث سبك لفظها «الإنساني».. لكنها في الحقيقة أبعد من ذلك. فمنظمات «الإغاثة» المسيحية الغربية العاملة في الجنوب السوداني تمثل العمود الفقري اللوجستي لقوات قرنق.. فهي مصدر الإمدادات التموينية المنتظمة لقوات التمرد مع امدادات الأدوية.. والأخطر من ذلك امدادات الأسلحة. هي بإيجاز الذراع الميدانية على الأرض للتحالف المسيحي ـ اليهودي في واشنطن، وهو التحالف نفسه الذي يتبنى المتطلبات اليومية، الاستراتيجية منها و«التكتيكية» اللازمة لأمن اسرائيل وبقائها وتفوقها في منطقة الشرق الأوسط.. وهو التحالف نفسه الذي برز منذ «أحداث سبتمبر» بصفة خاصة كرأس حربة لحملة صليبية على مستوى العالم ضد الإسلام والأمة الإسلامية تحت شعار «مكافحة الإرهاب». نعود إلى السؤال المطروح: هل يجرؤ الرئيس بوش على إقرار مشروع عقوبات السودان في سبيل الاستجابة لضغط اللوبي المسيحي ـ اليهودي أم يحجم عن التوقيع استجابة للضغط المضاد من «النادي النفطي» ـ تجمع كبرى شركات النفط الأميركية؟ إن الرئيس الأميركي سيواجه دون شك خياراً حرجاً. وأغلب الظن انه في هذه الحالة قد يلجأ الى أسلوب التعطيل والتأخير والانتظار.. فيرجئ التوقيع إلى أجل غير مسمى.. مؤملاً في هذه الأثناء في تحقيق توافق وسطي بين قوتي الضغط المتناقضتين. لكن في كل الأحوال ينبغي على الرئيس «الجمهوري» ان يعيد الى ذهنه فشل سياسة التشدد الأميركية تجاه السودان التي كانت سائدة في عهد سلفه «الديمقراطي» بيل كلينتون والتي بلغت في أوجها العدواني إرسال صواريخ كروز إلى الخرطوم.. علماً بأن آلية صنع القرار في عهد إدارة كلينتون كانت خاضعة لنفوذ اللوبي المسيحي ـ اليهودي. ولا شك أن الرئيس يستذكر أيضاً أن سياسة العقوبات «الكلينتونية» ضد السودان هي التي تسببت في منع شركات النفط الأميركية من دخول مجال الاستثمار النفطي في السودان بينما في الوقت نفسه لم تفلح في وقف المشروع النفطي السوداني.. فقد دخلت قوى نفطية أجنبية أخرى أكبرها الصين.. ثم رأت واشنطن كيف أن التعاون النفطي بين السودان والصين أخذ يتحول إلى علاقة استراتيجية. وأخيراً فليُعِد الرئيس بوش قراءة تقرير «مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية» الأميركي حيث يقول التقرير: «إن نظام العقوبات (ضد السودان) الذي طبقته إدارة كلينتون لم يؤد إلى إضعاف السودان بصورة ملحوظة أو إلى تقوية المعارضة الجنوبية والشمالية على العكس من ذلك فإنه بينما أخذت دول الجوار ودول الاتحاد الأوروبي في أواخر التسعينيات تعيد العلاقات مع الخرطوم إلى طبيعتها، فإن الولايات المتحدة وجدت نفسها في عزلة ظاهرة.. وبلا شركاء إلى جانبها». ولننتظر لنرى كيف يتصرف جورج بوش؟.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات