من يحاكم المجرم الحقيقي؟! ـ بقلم: د. محمد قيراط

الثلاثاء 9 شعبان 1423 هـ الموافق 15 أكتوبر 2002 صورة غربية ومليئة بالتناقضات تلك التي تكشف لنا عن همجية الكيان الصهيوني في محاكمة المقاتل والمناضل والثائر مروان البرغوثي الذي في نهاية الامر لا يطالب الا بحقه الطبيعي وهو العيش بكرامة وبشرف في ارضه وأرض اجداده المغتصبة. من جهة اخرى نشاهد صورة مناقضة للأولى تماما وهي صورة فشل العرب في محاكمة السفاح شارون، القاتل المجرم الذي ضرب بالقوانين والاعراف الدولية عرض الحائط. ان القاء القبض على مروان البرغوثي وحبسه هو اهانة للبشرية جمعاء وهو مخالف للقوانين المعمول بها ولاتفاقية اوسلو وكل الاعراف والقوانين العالمية التي تحترم انسانية الانسان. اهانة مروان البرغوثي هي اهانة للعالم العربي والاسلامي كله، فمروان البرغوثي مواطن فلسطيني من حقه ان يطالب بمقاومة الاحتلال الاسرائيلي، كما انه يتمتع بالحصانة الدبلوماسية وهذا يحظر على اسرائيل محاكمته. ففي الوقت الذي يجب فيه محاكمة السفاح والقاتل والمجرم شارون نرى محاكمة المناضل والمقاتل من اجل الحرية واسترجاع الارض والكرامة. متى يجرؤ العرب على محاكمة الحركة الصهيونية العالمية التي لم تتوقف عن الجرائم والقتل والذبح والكذب والتضليل والتزييف والدعاية الخبيثة منذ نشأتها في نهاية القرن التاسع عشر؟ الأدلة واضحة والبيانات والاحصائيات والوثائق موجودة، لكن ما ينقص العرب مع الاسف الشديد هو العمل السياسي والدبلوماسي والعمل الاعلامي لكشف الحقائق للرأي العام الدولي وللقوى الفاعلة في النظام الدولي لمحاكمة الحركة الصهيونية ومهندسيها. هل سينجح العرب في كسب المعركة ومحاكمة الحركة الصهيونية والكشف عن اعمالها المنافية لأبسط مباديء حقوق الانسان وللقوانين والأعراف الدولية؟ أم اننا سنشاهد حلقة اخرى من حلقات الفشل والهزائم؟ قبل سنة كشف برنامج «بانوراما» لهيئة الاذاعة البريطانية للعالم مذابح صبرا وشاتيلا، وقبل سنة سعى بعض اهالي ضحايا المجزرة المشئومة وبعض العرب المقيمين في بلجيكا لبعث الامل في الشارع العربي والرأي العام العربي في محاكمة الصهاينة مثلما حوكم العديد من مجرمي الحرب في العالم. ان المتتبع لجرائم الصهيونية يلاحظ ان فكرة محاكمة شارون فكرة قابلة للتنفيذ وقائمة على اسس قانونية وشرعية وان القانون البلجيكي يسمح بمحاكمة هذا السفاح، لكن ما هي الآليات وما هي الميكانيزمات للنجاح في عملية ايصال السفاح شارون الى بروكسل؟ أم ان الآلة الصهيونية تستطيع بمكرها وميكانبزماتها الخاصة بها ان تتجاوز القانون الدولي وتتحامل عليه وتفشل كل محاولة لكشفها او محاكمتها امام الرأي العام الدولي. الحديث عن محاكمة مجرم الحرب السفاح ارييل شارون وغيره من مهندسي الحركة الصهيونية يقودنا للتساؤل عن الدور السياسي والدبلوماسي والاعلامي والشعبي سواء في الوطن العربي او على الصعيد الدولي لتحريك الرأي العام والتأثير فيه، ثم نتساءل عن الآليات القانونية والاجرائية للوصول الى المحاكمة؟ كما نتساءل عن رد الفعل الصهيوني وعن اللوبي الصهيوني المتغلغل في معظم العواصم الغربية والمسيطر على مفاتيح المال والسياسة في الكثير من دول العام. نتساءل عن ماذا فعل العرب ازاء هذه القضية؟ وما هي التدابير التي اتخذت الى حد الآن؟ الملاحظ ان اللوبي الصهيوني تحرك ويحاول قصارى جهوده ان يلغي القانون البلجيكي الذي يسمح بمحاكمة مجرمي الحرب من جميع انحاء العالم في الدولة البلجيكية. ماذا فعل الاعلام العربي والسفارات العربية ومنظمات حقوق الانسان وغيرها من المنظمات غير الحكومية؟ وفي نفس السياق نتساءل عن ماذا فعل العرب لمساندة مروان البرغوثي في محنته مع القضاء الصهيوني واهانته والاعتداء على محاميه وأهله؟ مع ان محاكمته في الاساس غير شرعية وغير قانونية ومنافية للأعراف الدولية. فبين الممكن والمطلوب هوة كبيرة جدا وبين واقع السياسة الدولية والمناورات العالمية وطموحات الشارع العربي، نجد مساحة كبيرة جدا الى حد الآن لم تلتزم الدول العربية بمتابعة قضية محاكمة شارون ولم تحدد استراتيجية سواء كانت سياسية ام دبلوماسية ام اعلامية لكسب الرأي العام العالمي ولكسب القضية. مع الاسف الشديد نلاحظ تناقضات صارخة كالتعامل مع شارون واستقبال المسئولين الصهاينة وعمل المستحيل للتقرب من القادة الصهاينة والتفاوض معهم.. الخ، فهنا نلاحظ عدم تناغم الفعل السياسي مع الفعل القانوني وتبقى الصورة ضبابية بالنسبة للرأي العام الدولي. اسرائيل خلال قرن من الزمن انتهكت القانون الدولي ليس في صبرا وشاتيلا فقط وانما منذ وعد بلفور المشئوم الى اخر المجازر القائمة الى حد الساعة. فاسرائيل خرقت اتفاقية جنيف سنة 1949، كما ارتكب جرائم حرب ضد الاسرى المصريين وجرائم ابادة ضد الانسانية في تعاملها اليومي مع الفلسطينيين. قادة الكيان الصهيوني كانوا زعماء عصابات في اوروبا وتحولوا بعد تأسيس الكيان الصهيوني الى ساسة وقادة دولة من بن جوريون الى جولدا مائير، الى بيجين وشامير ورابين وبيريز وغيرهم كثير. الكيان الصهيوني باختصار يقوم على ارهاب الدولة ويقوم على المجازر والقتل والتعذيب والابادة ونستطيع الجزم انه ليس هناك فرق بين مختلف الاحزاب والتيارات الصهيونية فكلها تنبع من منبع واحد وهو الارهاب وانتهاك حقوق الانسان لاقامة الكيان الصهيوني فوق الارض الفلسطينية. فلا فرق بين حزب الليكود وحزب العمل في تعاملهم مع الاستيطان والتنكيل بالشعب الفلسطيني. نخلص من كل هذا الى ان محاكمة شارون لا غبار عليها والأدلة والحجج والبراهين والوثائق موجودة، فالقضية بحاجة فقط الى بحث ودراسة وتوثيق لتقديمها للسلطات القضائية للبت فيها. لكن السؤال المطروح هو ماذا فعل العرب حتى الآن منذ طرح واثارة الموضوع وماذا سيفعل العرب مستقبلا. اعلاميا بامكان العرب محاكمة شارون من خلال مختلف الوسائل الاعلامية، سواء كانت صحفا او مجلات او اذاعات او قنوات تلفزيونية ارضية او فضائية او عن طريق شبكة الانترنت العالمية. والمحاكمة الاعلامية هنا تكون موجهة للرأي العام المحلي والرأي العام الدولي من خلال البرامج الحوارية والمقابلات والتحقيقات والندوات والمحاكمات العلنية والافلام الوثائقية والحملات الاعلامية المكثفة وكل ما من شأنه ان يكشف الحقيقة بكل موضوعية واحترافية ومهنية بالأدلة والحجج والبراهين، وما اكثرها، الامر يتطلب البحث والتنقيب والتوثيق العلمي. والرسالة يجب ان تبث بمختلف اللغات الرسمية العالمية وتوجه للعالم بأسره. والمطلوب من قادة الرأي والفكر والباحثين والعلماء العرب خاصة ذوي الشهرة العالمية والموجودين في الغرب تكثيف جهودهم للتأثير في الرأي العام وكسب الثقة والمصداقية. ماذا بالنسبة للمعادلة الاميركية؟ وما هي الاستراتيجية التي يجب ان تتخذ لمعالجة القضية دوليا والجميع يعلم ان شارون استقبل في البيت الابيض استقبال الابطال وان العدالة الدولية حاليا وفي عهد القطبية الاحادية والنظام الدولي الجديد هي عدالة اميركية بامتياز فأميركا تحاكم من تشاء وتتهاون وتتجاهل محاكمة من تشاء. أميركا اختطفت رئيس بنما ـ الذي كان يتعامل مع المخابرات الاميركية ـ من بلاده وحاكمته في الولايات المتحدة الاميركية وهو رهن السجن في اميركا الى يومنا هذا. فمحاكمة شارون ليست بالأمر الهين ولا تتم بالعواطف والمشاعر، واذا كانت الساحة السياسية الدولية وموازين القوى ليست في صالح العرب على الاطلاق فهذا لا يعني ان الامر مستحيل. فالعملية بحاجة الى تنظيم وتخطيط واستراتيجية وتنسيق على مستوى مختلف الجبهات للتأثير في الفاعلين الدوليين. لكن مع الاسف الشديد لم نشهد الى حد الساعة تحركات جريئة وقوية في الاتجاه السليم والفعال لمحاكمة شارون وغيره كثيرون وكذلك لمحاكمة حركة صهيونية عالمية تعتبر السرطان المستديم الذي تعاني منه الامة العربية. الى متى يبقى العرب يجهلون آليات الحرب الاعلامية وميكانيزماتها؟ الى متى يبقى المدافع عن ارضه وبيته مغتصبا والمغتصب صاحب الشيء؟ الى متى يبقى القاتل ينعت ويوصف بمحب الحرية والسلام والمقاتل سفاح ومجرم والمظلوم ظالما، والظالم مظلوم؟ ماذا قدم الاعلام العربي للانتفاضة وهي نضال يومي من قبل اطفال ابرياء همهم الوحيد ان يعيشوا في امن وطمأنينة في ارضهم وممتلكاتهم؟ فشل العرب في تقديم قضيتهم المصيرية للرأي العام الدولي وفشلت السفارات والمكاتب الاعلامية العربية والمنظمات غير الحكومية ويمكن القول المثقفين العرب كذلك، الجميع فشل في استغلال ظروف ذهبية لتقديم صور الغطرسة والهمجية الصهيونية للرأي العام الدولي من خلال المرحوم محمد الدرة والرضيعة ايمان حجو، وشاءت الاقدار وبعد عشرين سنة ان تكشف هيئة الاذاعة البريطانية «ال. بي. بي. سي» جرائم السفاح شارون، والاعلام العربي بأجهزته وامكانياته وفضائياته وبيروقراطيته وباجتماعاته الدورية نائم في سبات طويل ينتظر الأوامر ويترقب التوجيهات ويحسب ألف حساب لعدم تجاوز الخطوط الحمراء وازعاج السلطة واثارة غضبها وعدم رضاها. معركة اخرى سيخسرها العرب مع الأسف الشديد رغم ان مستلزمات كسبها في صالح وفي متناول العرب. يبقى ان نقول ان الصراع بين العرب والكيان الصهيوني هو صراع اعلامي بالدرجة الاولى، وكسب المعركة الاعلامية في عهد الثورة المعلوماتية والعصر الرقمي لا يتأتى هكذا بالعواطف والمشاعر وانما يتطلب الأمر استراتيجية وتخطيطا وتحريرا للفكر والرأي وتحرير طاقات وملكات الفرد في المجتمع. فالنظام الاعلامي العربي يأتي عن طريق الاعلام الموضوعي والاتصال الاقناعي، العلمي والهادف، والاعلامي الذي يتكلم لغة العصر ويتقن ابجديات المعركة الاعلامية. اعلام يقوم على تخطيط وبرمجة واستراتيجية في الطرح والمعالجة. اما فيما يتعلق بالمعركة السياسية والدبلوماسية فإن تشتت الصف العربي وعدم وجود عمل سياسي استراتيجي مشترك وفعال، قد فتح وما زال يفتح الأبواب على مصراعيها امام التكتلات العالمية والاقليمية بما فيها الكيان الصهيوني لاضعاف الدول العربية واستغلالها وابتزازها واحتقارها. ـ كلية الاتصال ـ جامعة الشارقة

طباعة Email
تعليقات

تعليقات