خلايا.. أم فتنة نائمة ؟! ـ بقلم: د. محمد الرميحي

الثلاثاء 9 شعبان 1423 هـ الموافق 15 أكتوبر 2002 يقال في الأدبيات السياسية أن هناك خلايا نائمة تابعة لتنظيم القاعدة منتشرة في أماكن كثيرة، يقوم بتحريكها متى ما شاء في الوقت و المكان الذي يريد، و في الكويت تتحول هذه الخلايا إلى خلايا فتنة، كما حدث الأسبوع الماضي عندما قامت واحدة من هذه الخلايا بالهجوم على أفراد من القوات الأميركية في جزيرة فيلكا الذين يقومون بتدريبات مع الجيش الكويتي. هؤلاء لا تدفعهم مظلمة محددة، فمجتمعهم مجتمع ديمقراطي مفتوح للرأي و الرأي الآخر، ولهم الحرية في أن يناقشوا ما يجري ويعبروا عن فكرهم، وما يقال عن ضيقهم بما يحدث في فلسطين هو ذريعة لا يقبلها عاقل، وتبرير ينطلي فقط على البسطاء، لأن ما يحدث في فلسطين الآن لم يحدث أمس أو قبله أو الأسبوع الماضي، فهو يحدث خلال السنتين الماضيتين على الأقل، فلماذا تأخذ البعض الحمية الآن لما يحدث هناك، كما أن هذا الضيق وذاك الألم لما يحدث هو ضيق عام من الكويتيين جميعا، و قد جاءت الاستجابة إليه حسب القدرة من المجتمع الكويتي بجميع طوائفه وتياراته، ولكن تلك الاستجابة له لا تأخذ شكل حمل سلاح ناري فتاك و الذهاب إلى جزيرة فيلكا بعد رصد وتقص للانتقام من أفراد ليس لهم علاقة مباشرة بما يحدث في فلسطين. إن ما حدث في فيلكا هو محاولة للفت الأنظار والاستفادة السياسية القصوى من تنظيم لديه أفراد يؤمرون فيطيعون، بصرف النظر عن مصالح وطنهم العليا،لأنهم مسلوبو القدرة على التفكير السليم،إلا أن أهدافهم واضحة وطرق عملهم دقيقة. علينا هنا أن نبحث عن التوقيت و المكان، فمثل هذا الاعتداء على ارض الكويت في التوقيت الذي تم فيه والطريقة التي نفذ بها، يلفت النظر إلى مجموعة من القضايا، فهو أولا يبعد وسائل الإعلام لفترة عما يحدث من تحضيرات عالمية سياسية وعسكرية تجاه الموضوع العراقي، وثانيا لفت النظر إلى أن الكويت لها علاقة بالموضوع بشكل أو آخر بدليل اجراء مناورات يشارك فيها أميركيون على أرضها، وهي مناورات تشترك فيها مع الجيش الأميركي مثل ما يشترك مع جيوش دول عربية عديدة أخرى على امتداد الأرض العربية، إلا أن قرب الكويت من العراق والتاريخ الدامي الذي حصل قبل اثنتي عشرة سنة يتيح للبعض في أجواء معبأة أن يجري الربط بسهولة بين الحدثين. انه تدبير منظم اختار الوقت و المكان المناسبين لأسباب أخرى،غير الأسباب المعلنة، و المستفيد منها غير قابل للتورية وهي تلك القوى غير الديمقراطية التي تريد استمرار القمع ضد الشعوب. اذن ما حدث ليس عفويا و ليس بسبب هذا أو ذاك من مظاهر سياسية في مناطق عربية مختلفة منها فلسطين، بل هو عمل مخطط يستجيب لأجندة سياسية اقل ما يقال فيها أنها مضادة للأجندة السياسية التي ارتضاها الشعب الكويتي عن طريق مؤسساته الشرعية. كما أن العمل الذي تم ليس عملاً فردياً عفو الخاطر، بل خلفه تنظيم يستطلع أن يرصد ويحدد الأهداف و يساعد في نقل السلاح، كما أن وراءه وهذا هو الأهم تثقيف طويل المدى يجعل من شباب غض مستعدين لتقديم أرواحهم عندما يؤمرون، وذلك في اعتقادهم في سبيل الله، وهو الأمر الذي ظهر جليا في وصيه احدهم الواضحة، وهي وصية أرادت أن تستميل اكبر قدر من التعاطف الإنساني تحميلا على الهدف الأصلي. إذا كان هذا الاستعداد بعد التثقيف الواسع موجودا، فمن الضامن ألا يتحول هذا التثقيف السلبي إلى أهداف أخرى يرى القياديون هناك في مناطقهم المعزولة أن الوقت قد حان لضربها وتصويب السلاح إلى صدور آخرين، ولن تنقصهم الذريعة ولا الوسائل؟ من جملة القراءة لما حدث وردة الفعل لدى البعض، فقد جرى قبول التبرير من البعض لما قام به هؤلاء الانتحاريون لسبب أو لآخر، و هو أمر قد يتيح الفرصة لآخرين لقبول هذا التبرير والقيام بعمل مماثل أو أعمال مشابهة، أما استخدام نفس المفردات التي يستخدمها الانتحاريون فهو العجب بذاته، فقد قال البعض مستنكرا كيف لهم أن يفعلوا ذلك و قد أعطينا «الأميركان» الأمان؟ وهي مفردات تتخطى طبيعة عمل الدولة الحديثة وتتجاوز أعرافها وبناءها القانوني، وهو استخدام لمفردات وتعبيرات من السهل لآخرين أن يخترقوها، مثل قولهم اننا سحبنا الأمان بفعلنا ذاك وعلى الآخرين «غير المرغوب فيهم أن يغادروها». البناء القانوني للدولة الحديثة تجاوز هذه المفردات، هناك قوانين اخترقت و هناك مصالح عليا عبث بها، وهنا أغلبية من الشعب الكويتي ترى أن ما تم لا يتعدى كونه جريمة نكراء و تعريض مصالح مرسلة للوطن و المواطن للخلل و الضياع. تبقى قضية لا بد أن نواجهها بشجاعة وهي أن الخلايا الضارة في جسم الإنسان لا تنشط إلا عندما يكون ذلك الجسم ضعيفا، تلك قاعدة علمية تنطبق على المجتمعات أيضا، فلم تنشط خلايا القاعدة في أفغانستان مثلا إلا بعد أن تسرب الوهن لمؤسسات الدولة، وهنا أيضا لابد من ملاحظة أن الغلاف الذي يحيط بمثل هذه الأعمال هو غلاف إعلامي ثقافي متعدد المصادر، فالحديث عن «عداء» أميركي مثل الحديث عن «تعاطف» مع القاعدة، وهي أحاديث تتعدد مصادرها وتتنوع دوافعها، و لكنها موجودة ترعاها بيئة ثقافية تنموا فيها الدعوات المتشددة، وتختلط بينها الأهداف، فتظهر أعمال العنف لدى البعض وكأنها امتداد لتلك الأفكار، أو انه محض اجتهاد يصح فيه «الخطأ» كما يصح فيه «الصواب». من حسن الطالع أن جميع التيارات التي تتعاطى العمل السياسي في الكويت قد شجبت ما تم واعتبرته خارج الإجماع الكويتي، وكذلك فعلت تجمعات المجتمع الأهلي، كما أن القوى السياسية الإسلامية قد نددت وتبرأت من هذا العمل، ذلك أمر حسن ومستحب، ولكن المطلوب أكثر من ذلك، وهو فك روابط العمل السياسي من النداء الديني، فالسياسة نسبية و الدين ثابت، والاحتماء بالنصوص لتبرير أعمال العنف و الإرهاب وجب أن يقطع حبله السري،وان تكون المرجعية هي الدولة الدستورية القانونية، لا مفسري النصوص التراثية. كما أن الخطاب العام يجب أن يرسي على بر ويتوخى الوضوح مغادرا الضبابية، وان يقال ما يجب قوله، من أن الولايات المتحدة حليفة لنا، حاربت للدفاع عن مسلمين في أكثر من مكان، وان المطروح اليوم هو ليس حربا حضارية كما يعتقد البعض و لا حربا ضد الإسلام كما يعتقد آخرون، انها حرب ضد التعصب و الشمولية ونفي الآخر، ويشارك فيها كثيرون مسلمين وغير مسلمين. دون خطاب واضح المعالم مثل ذاك سيظل البعض يصطاد في الهامش الرمادي، ويحقق ما يريد من أهداف خاصة به، وأهداف القاعدة ومناصريها ضبابية المقصد عنيفة الوسائل مع انتفاء حاد للتساكن الخير و السلمي مع ما استقر لدى البشرية من أهداف إنسانية. ان الفتنة هي النائمة، و ليس فقط بعض خلايا القاعدة، ودون مواجهة جذورها تكبر وقد قيل ان اندلاع النار من مستصغر الشرر. ـ كاتب كويتي

طباعة Email
تعليقات

تعليقات