استراحة البيان ـ أحاديث مقاهٍ ـ يكتبها اليوم: محمد الخولي

الاثنين 8 شعبان 1423 هـ الموافق 14 أكتوبر 2002 أبناء الجيل الماضي عرفوا ذلك المثقف الموسوعي الملتزم الذي كان يحمل اسم محمد صبري ولكنه اشتهر في محافلهم ومنتدياتهم في مصر باسم الدكتور صبري.. السوربوني وارتبط اسمه بنشر عدة قصائد استطاع ان يجمعها بدأب شديد وشغف أشد وتحقيق رصين على أساس المنهج العلمي وهي قصائد كانت منسية من ابداع أمير الشعراء أحمد شوقي ثم نشرها الدكتور صبري السوربوني تحت اسم «الشوقيات المجهولة». وبديهي أن الدكتور صبري حمل اللقب إياه أو خلعه الناس عليه لأنه خريج جامعة السوربون العريقة التي ذاع ذكرها في الخافقين (وسوف أوافيك يوما بمعنى حكاية الخافقين هذه فأنا أكتب من الذاكرة بعيدا عن وطن اليعاربة الميامين وبالتالي بعيدا عن مكتبتنا العامرة). ولقد تخرج السوربوني من جامعته في العشرينيات وهي الفترة نفسها التي درس وتخرج فيها زميل له هو زكي مبارك الذي لم يضف الى اسمه لقبا سوربونيا وربما اكتفى زكي مبارك بأن خلع على نفسه لقب الدكاترة وليس الدكتور.. كيف لا وقد حصل ابن سنتريس وهي من ريف وسط الدلتا أكثر من دكتوراه عن أكثر من رسالة علمية ما بين علم البلاغة عند نقاد العرب الأقدمين وما بين علم الأخلاق عند الامام أبي حامد الغزالي. وربما كانت اضافة السوربوني أسهل نطقا وأيسر تناولا من اضافة أسماء جامعات غربية أخرى تخّرح فيها هذا المثقف العربي أو ذاك.. ولهذا فلم نسمع - بحمد الله تعالى - عن الدكتور لويس عوض الكمبردجي ولا عن الدكتور عزيز صدقي الهارفاردي. نعود الى الدكتور صبري السوربوني الذي كان طالب علم يدرس في باريس وكان، مثل زملاء الدراسة، يختلف عصر كل يوم الى أحد مقاهي الرصيف (كافيه تروتورا) في الحي اللاتيني ويجلس وحيدا يتأمل ويحتسي فنجان القهوة بالحليب ويقرأ جريدة (الطان) التي كانت شهيرة رائجة في تلك الأيام. هنالك جمعته صداقة المقهى مع أحد الزبائن الذين كانوا يأتون بما يشبه الانتظام. كان كهلا في شتاء العمر يلبس نظارة سميكة ويبدو كمن يحمل على كتفيه المكدودين كل هموم العالم يأتي وحيدا ويبدو كمدرس ريفي متقاعد ويضع خادم المقهى على طاولة طلبه اليومي من قهوة الحليب ثم يتركه يدخن غليونه في سكون، وحدث التعارف بين الشيخ الفرنسي وبين طالب العلم المصري.. ربما كان ذلك في عام 1919 أو عام 1920. واعتاد الاثنان أن يجلسا الى طاولة واحدة.. يتجاذبان أطرافا من أحاديث شتى حول آثار الحرب العالمية الأولى ومؤتمر الصلح في باريس ومبادئ الرئيس الأميركي ودرو ويلسون الأربعة عشر حول حق تقرير المصير للشعوب وثورة روسيا البلشفية التي لم تكد تكمل العامين من عمرها: كانت أحاديث عمومية.. عابرة.. مرسلة بغير ضابط ولا رابط.. ثرثرة مقهى في كل حال.. ذات يوم سمع الشاب محمد صبري بزيارة الوفد السياسي المصري لباريس برئاسة سعد باشا زغلول.. وكان الوفد يحاول الاتصال بزعامات فرنسا ورموزها الفكرية والثقافية والسياسية من أجل تعبئة الرأي العام الفرنسي لصالح قضية استقلال مصر عن بريطانيا. وحين ذهب صبري (السوربوني) لتحية الزعماء القادمين من القاهرة أبلغوه بأنهم نجحوا في الاتصال مع أناتول فرانس.. أكبر كتّاب فرنسا وألمع مبدعيها في تلك الفترة.. وكم كان صبري السوربوني سعيدا بهذا الخبر.. كان أناتول فرانس إسما كبيرا ونجما ذائع الصيت موفور الاحترام وكان مرشحا لنيل جائزة نوبل العالمية في الأدب (حصل عليها فعلا عام 1921) واشتهرت في أعماله نبرة السخرية، من نفاق الساسة والسياسة. كما ذاعت روايته «تاييس» وذاعت أيضا مقولته التي لخص بها حياة البشر في هذه الدنيا في عبارة مكثفة قال فيها: - إنهم يولدون.. ويعانون ثم يرحلون. وفي عصر أحد الأيام جلس محمد صبري السوربوني الى طاولته المعهودة في المقهى.. مد يده الى الصحيفة اليومية وقبل أن يقلب الصفحات وقع بصره على مقالة منشورة في صدر الصفحة الأولى حول حق تقرير المصير وحول بطش الاستعمار وحق الشعوب المقهورة في الاستقلال.. الخ.. وكان المقال ممهورا بتوقيع كاتب فرنسا الأكبر أناتول فرانس.. ولكن حين تأمّل الدارس المصري صورة صاحب المقال هب من مجلسه كالملسوع.. أنه يعرف صاحب الصورة.. بل يعرفه حق المعرفة.. إنه ذلك الرجل.. الكهل الأشيب الذي يختلف مثله في عصاري الأيام والأمسيات الى المقهى وكم تجاذب معه شتى الأحاديث.. لكنها كانت كلها أحاديث عن السياسة والحرب وأحوال البلاد والعباد. لم يتطرق الحديث يوما الى الأدب أو الرواية أو النقد أو الابداع.. والحاصل أن أديب فرنسا الكبير كان يأتي الى ذلك المقهى البسيط ويجلس الى ذلك الطالب المشرقي الغريب.. لكي يتخفف من أعباء الشهرة ويبتعد عن احتواء الذيوع.. كان أناتول فرانس الروائي يريد أن يهدأ وأن يأخذ اجازة لبضع ساعات يحل محله فيها أناتول فرانس الانسان العادي البسيط الذي يبدو وكأنه مدرس متقاعد بعد خدمة مضنية وطويلة في دساكر الأرياف. قال الراوي: وحين جاء أناتول فرانس الى مجلسه المعتاد في المقهى.. راعه موقف التهليل من جانب الفتى المصري.. مسيو فرانس هل هذا أنت.. مسيو فرانس.. كان الحديث اليك كل هذه المدة شرفا لي ولو عرفت لكنت قد.. وانسحب أناتول فرانس في هدوء ولم يعد قط الى المقهى.. وقيض للطالب محمد صبري أن يكمل دراسته ويعود الى وطنه ويحمل اسم السوربوني.. وينشر من بعد «الشوقيات المجهولة» وربما ظلت تراوده ذكريات لقاءاته بذلك الرجل الذي كان مجهولا لديه ثم انقطعت صلاتهما حين انكشف المجهول. ويبدو أن المقاهي (حتى لا نقول الحانات) تشكل أو تهيئ بيئة مناسبة لمثل هذه النوعية من الصداقات، غير المتكافئة كما قد نسميها. ثمة كاتب أميركي شهير بدوره - أظنه ويليام فوكنر - كان يأنس بدوره للجلوس في مقهى حيث قامت صداقة بينه وبين رجل من عوام الناس وربما كان الأديب الأميركي الكبير يقرأ من خلاله أحوال البسطاء في وطنه.. اهتماماتهم.. أشواقهم، طموحاتهم تعابير اللغة التي يستخدمونها.. وكان طبيعيا أن تصل هذه الصداقة الى ختامها حيث عرف الرجل البسيط شخصية رفيق المقهى ويومها هتف الرجل قائلا: أوه.. مستر فوكنر.. أنت كاتب إذن. قال الراوي: وعاد مستر فوكنر الى بيته ليكتب عملا فنيا اختار له العنوان من الجملة التي هتف بها صاحبه المجهول.. بيد أن مستر فوكنر شخصيا لم يعد الى المقهى إياه في يوم من الأيام.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات