خط مباشر ـ عصر التلفيق الاميركي «2 ـ 2» ـ بقلم: أحمد عمرابي

الاثنين 8 شعبان 1423 هـ الموافق 14 أكتوبر 2002 الليلة هي البارحة، لم يتغير شيء، فسياسة الكذب والتلفيق التي كانت حجر الزاوية لنهج الرئيس ليندون جونسون قبل نحو اربعين عاما هي نفس السياسة التي يتبناها الآن الرئيس جورج بوش الابن. يقول دانيال ايلزبيرج مستشار «البنتاغون» في عهد جونسون في كتابه الصادر حديثاً «أسرار: مذكرات عن فيتنام» ان قدرة الرئيس جونسون على اشعال الحرب الاميركية في فيتنام وتصعيدها كانت تعتمد على سياسة الكذب، ويقول ايضا ان وسائل الاعلام الاميركية بما فيها الشبكات التلفزيونية العملاقة كانت تنقل الاكاذيب الصادرة عن البيت الابيض او البنتاغون بصورة يومية دون كشفها، إما بسبب العجز عن دحضها او بدافع التواطؤ لترويجها عمداً. لكن الشبه بين الليلة والبارحة يتجلى اكثر ما يتجلى في الكذب الرئاسي على الكونغرس والقرار الذي اجازه الكونغرس بمجلسيه قبل بضعة ايام متضمنا منح الرئيس بوش صلاحيات واسعة تجيز له استخدام القوة ضد العراق «للقضاء على اسلحة الدمار الشامل التي يملكها» يعيد الى الاذهان فوراً ذلك القرار الذي اتخذه الكونغرس قبل 38 عاماً باعطاء الرئيس ليندون جونسون سلطة اعلان الحرب على جمهورية فيتنام الديمقراطية. في عام 1964 كانت فيتنام والآن في عام 2002 العراق. والقضية واحدة شن حرب على اساس كذبة، فالقرار الاخير الذي تبناه الكونغرس يستند الى وثيقة صادرة عن الادارة الاميركية «تبرهن» ان العراق «يملك» بالفعل اسلحة دمار شامل في حين ان فرق التفتيش الدولية لم تستأنف عملها بعد في الاراضي العراقية فضلا عن تقديم تقرير نهائي يتضمن النتائج التي يمكن ان تتوصل اليها. اما القرار بشأن فيتنام فقد اتخذ على أثر خطاب القاه الرئيس جونسون على اعضاء الكونغرس قدم فيه «أدلة» على ان حكومة فيتنام شنت هجوما على سفينة حربية اميركية مما يعتبر فعلا حربيا يتطلب ان تعلن الولايات المتحدة الحرب على هذه الدولة الاسيوية. كانت تلك كذبة صارخة فضحها مؤرخو الحرب الفيتنامية فيما بعد، فقد ثبت ان «كابتن» السفينة الحربية الاميركية تلقى أوامر بدخول المياه الاقليمية الفيتنامية. وكان الغرض استفزاز البحرية الفيتنامية لكي تفتح النيران على السفينة الاميركية.. وبالتالي تتلقف ادارة جونسون الحادثة لتتخذ منها ذريعة لانفاذ نية مبيتة سلفاً لاعلان الحرب على الجمهورية الفيتنامية الاشتراكية. ومن اعجب ما اثبته المؤرخون في امر هذه الحادثة ان القيادة الفيتنامية لم تستجب للاستفزاز كما كانت تأمل واشنطن.. فقد اكتفت بارسال زوارق حربية صوب السفينة الاميركية، وكانت النتيجة النهائية ان السفينة الحربية الاميركية فرت الى رحاب المياه الدولية دون ان تتلقى قذيفة واحدة من الزوارق الفيتنامية. ولو شنت ادارة بوش الآن الحرب ضد العراق فإن سجلات التاريخ سوف تكشف لنا يوما ما السر، فيذكر لنا المؤرخون ان «اسلحة الدمار الشامل» كانت كذبة كبرى. على ان ممارسة الكذب والتلفيق على المستوى الاميركي الرسمي ارتقت في عهد بوش بعد احداث سبتمبر الى مستوى سياسة ثابتة تمارس بصورة يومية دون حياء او حرج، وعندما تتابع التصريحات والبيانات اليومية التي تصدر عن كبار مسئولي الادارة فإنك لا تملك إلا أن تتساءل ايهم الابرع في اختلاق الروايات: بوش أم كوندوليزا رايس ام دونالد رامسفيلد ام ديك تشيني! فوفقا لوقائع ملفقة جزئيا او كليا جرت اعتقالات بالآلاف فور الهجمات على نيويورك وواشنطن، وجمدت اموال جمعيات ومؤسسات عربية واسلامية، وشنت حرب شرسة وواسعة النطاق ضد بلد اسلامي دون ادلة قاطعة تبرر هذا العدوان. ولأن العالم لم يستوقف واشنطن ليسألها اين الادلة على الاعتقالات ،والتجميدات وشن الحرب، فإن ادارة بوش استمرأت نهج الكذب والتلفيق لتتوسع في اجندتها الحربية العدوانية لتشمل العراق. في بداية الحملة الدعائية الخبيثة ضد العراق قيل ان للسلطات العراقية ارتباطا بأحداث تفجيرات سبتمبر، وفي هذا السياق جرى تلفيق «واقعة» بأن دبلوماسيا عراقيا، التقى سراً في براغ مع محمد عطا المتهم اميركيا بأنه قائد فريق الارهابيين الذي اختطف طائرة الركاب الاولى التي اصطدمت ببرج مركز التجارة في نيويورك. لكن ادارة بوش اضطرت لاحقا لتجاهل هذه الكذبة بعد ان نفت السلطات التشيكية في براغ صحة حادثة المقابلة المزعومة. وبعد شهور من هذه الكذبة ابتكرت كذبة اخرى بأن للعراق صلة بتنظيم «القاعدة» وهنا رأى العالم السيدة كوندوليزا رايس ووزير الدفاع دونالد رامسفيلد يتباريان في ابتكار «وقائع» بأن اسامة بن لادن «شوهد» في بغداد قبل احداث سبتمبر، ما هو الدليل؟ «الدليل» هو اقوال وردت في سياق الاستجوابات للمعتقلين في جزيرة غوانتانامو الذين لم يقدم اي واحد منهم حتى الآن الى محاكمة.. بل وحتى لم يوجه الى اي احد منهم مجرد اتهام.. فجميعهم ـ ويناهز العدد ستمئة شخص ـ حتى الآن «مشتبه بهم». والسؤال الذي يطرح الآن على الساحة الدولية هو: كيف يتعامل العالم مع دولة عظمى ليس واردا على اجندتها الثابتة مرجعية القانون الدولي أو ميثاق الامم المتحدة، وانما تعتمد فقط نهج الكذب والتلفيق في التعامل مع شعبها ومع دول العالم الاخرى؟

طباعة Email
تعليقات

تعليقات