خط مباشر ـ عصر التلفيق الأميركي (1 ـ 2) ـ بقلم: أحمد عمرابي

الاحد 7 شعبان 1423 هـ الموافق 13 أكتوبر 2002 هذه حكاية صغيرة عن نهج الكذب عندما يعتمد كسياسة رسمية لدولة عظمى. أثناء رحلة جوية بطائرته الخاصة من سايغون عاصمة فيتنام الجنوبية في اكتوبر 1966، قال وزير الدفاع الأميركي آنذاك روبرت ماكنمارا لمرافقيه في تلخيصه لمسار الحرب الفيتنامية التي كانت الولايات المتحدة تخوضها في ذلك الحين: «الموقف ينتقل من سييء إلى أسوأ». ولكن عقب وصول الطائرة الى واشنطن قال الوزير في حديثه الى المراسلين الصحفيين المنتظرين: «إننا نحقق تقدماً عظيماً في كل مجال من مجالات القتال». وردت هذه الحكاية في كتاب حديث الصدور بعنوان «أسرار.. مذكرات عن فيتنام» ودانيال ايلزبيرغ مؤلف الكتاب كان أحد المستشارين العاملين في وزارة الدفاع الاميركية إبان الحرب الأميركية في فيتنام خلال عقدي الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي. وكما يدل اسم الكتاب فإن المؤلف يروي أحداثاً ووقائع سرية عن كيفية ادارة تلك الحرب خلال عهدي الرئيسين ريتشارد نيكسون وليندون جونسون، ليكشف لنا كيف كان الكذب والتلفيق سياسة رسمية معتمدة لخداع الشعب الاميركي والعالم بما يبرر تعمد اطالة أمد الحرب خدمة لمصالح شركات انتاج الأسلحة في الولايات المتحدة. ولا أدري إن كان مصادفة أو عمداً توقيت صدور هذا الكتاب الوثائقي التاريخي، فنشر الكتاب يأتي متزامناً مع عهد رئيس اميركي يثير جواً هيستيرياً متصاعداً على الصعيدين الأميركي والعالمي استعداداً لتوريط الولايات المتحدة في حرب أخرى تختلق لها مبررات جديدة. لكن تزامن صدور كتاب «إيلزبيرغ» مع دق طبول الحرب الاميركية المرتقبة ضد العراق، سواء كان صدفة أو قصداً، يتوافق مع تقرير اخباري نشرته صحيفة «الغارديان» اللندنية جاء فيه ان ادارة بوش تمارس الآن ضغوطاً مكثفة على مسئولي اجهزة الاستخبارات الاميركية ليقدموا الى الادارة تقارير «تؤيد الخط الذي تلتزم به الادارة بالنسبة للمسألة العراقية». ونقلت الصحيفة عن المدير السابق لقسم الاستخبارات المضادة في وكالة الاستخبارات «ان المعلومات الملفقة» تأخذ طريقها الآن الى المستويات العليا للادارة الأميركية. ويقول تقرير «الغارديان» ايضاً ان بعض المسئولين في وكالة الاستخبارات ومكتب التحقيقات الفيدرالي يخضعون لضغوط الادارة، بينما يرفض البعض الآخر. وبكلمات مبسطة فإن ادارة بوش تطلب من الاجهزة الاستخبارية طبخ أكاذيب متعمدة وتلفيق «حقائق» و«وقائع» تتلاءم مع أهداف السياسة العدوانية التي تنتهجها الادارة تجاه العراق وتبرر هذه السياسة أمام الرأي العام الأميركي والعالمي.. كأن يعد خبراء الاستخبارات تقارير مصنوعة مدعمة بوثائق وصور وخرائط «تثبت» ان العراق «لايزال» يحتفظ بأسلحة نووية أو كيماوية أو جرثومية. لقد ظن كثير من الناس ان أسلوب الأكاذيب والتلفيقات الذي طغى بشكل خاص بعد أحداث سبتمبر 2001 يمثل ظاهرة جديدة في تاريخ الادارات الاميركية، لكن كتاب «ايلزبيرغ» ينبهنا الى انها ظاهرة متوارثة منذ زمن بعيد. إن قصة الحياة العملية نفسها لدانيال ايلزبيرغ كأحد كبار المستشارين في وزارة الدفاع الأميركية خلال الحرب الفيتنامية، لا تقل اثارة عن الأسرار التي يكشفها كتابه الصادر الآن بعد أكثر من ربع قرن على نهاية تلك الحرب. لقد كان ايلزبيرغ أحد أعضاء الدائرة الضيقة التي كانت تشرف على التخطيط اليومي لادارة الحرب قبل ان يستقيل في أوائل السبعينيات ليفضح خدعة السياسة الاميركية في عهد كل من نيكسون وجونسون. كانت البداية ان «ايلزبيرغ» قام قبيل استقالته بتسريب دراسة سرية الى الصحافة، وهذه الدراسة التي نشرتها في ذلك الحين صحيفة «نيويورك تايمز» كانت وثيقة ديوانية سرية في وزارة الدفاع تنطوي على تحليل موضوعي للتورط الأميركي في الحرب الفيتنامية. وقد نشرت الدراسة مشفوعة بتعقيبات من ايلزبيرغ نفسه توضح التناقض بين ما كان يتخذ من قرارات عسكرية وبين ما كان يقال للشعب الأميركي من أكاذيب. لكن كتاب «ايلزبيرغ» ليس بالطبع تكراراً لما سبق ان نشر، فهو يحكي المزيد من الأسرار مما لم ينشر سابقاً. ومما اشتملت عليه الأسرار الجديدة ما يروي المؤلف عن وقائع بشأن بعض كبار المسئولين في الادارة الأميركية ابان الحرب الفيتنامية ممن كانوا على قناعة شخصية بأن السياسة الاميركية المتبعة بشأن الحرب خاطئة لكنهم جبنوا بالتعبير عن رأيهم في الاجتماعات الرسمية، إما خوفاً على المنصب أو خوفاً من العواقب. وبلغ من نزاهة المؤلف انه لم يبريء نفسه مما تورط فيه شخصياً من مشاركة في سياسة الكذب العمد والتلفيق قبل ان يقدم استقالته. ومما يرويه في هذا السياق كيف انه سهر ليلة كاملة في مكتبه ليعد قائمة طويلة من أحداث ملفقة عن عمليات «وحشية» من نسج خياله «ارتكبها» الفيتناميون من أجل تبرير قيام سلاح الجو الأميركي بعمليات قصف في فيتنام كانت مقررة سلفاً. وعن تلك الليلة الطويلة يقول ايلزبيرغ في كتابه: «ذلك العمل في تلك الليلة كان أسوأ عمل في حياتي».

طباعة Email
تعليقات

تعليقات