من أور إلى القدس .. ماذا يجري ؟ ـ بقلم: عبد الكريم محمد

الاحد 7 شعبان 1423 هـ الموافق 13 أكتوبر 2002 غالباً ما ينطلق الكاتب أو الباحث أو المتخصص عند تناوله للظواهر الصراعية في منطقتنا العربية بالتحديد، من منظور واحد محدد، متجاهلاً جملة الحيثيات والأسباب والخلفيات التي تقف خلف هذه الحالة أو تلك، بمعنى أدق حاول العديد من ساستنا وكتابنا حصر الحالتين العراقية والفلسطينية في موضوع المصالح الاقتصادية، دون التوقف للحظة واحدة عند مجموع الأهداف التي تتجاوز بكثير موضوع المصالح الاقتصادية والنفط والإتاوة بالنسبة للعراق، والجغرافيا والاستيطان بالنسبة لفلسطين، مع أهمية هذه القضايا القصوى، بالنسبة للغرب عموماً وللولايات المتحدة ولإسرائيل خصوصا، لدرجة ذهب البعض منهم إلى تقزيم القضية برمتها وربطها بمجرد الخطاب السطحي المنادي ببقاء السلطتين الحاكمتين بالعراق وفلسطين أو إزاحتهما من سدة الحكم. بل أكثر من ذلك انجرف البعض في غمار الضوضاء المصطنعة، والشعارات الوهمية التي تطلقها وسائل الإعلام الاميركية والإسرائيلية على حد سواء، متجاهلين الخلفيات والأهداف الحقيقية التي تسعى الولايات المتحدة لتحقيقها على الأرض العربية، خاصة المشرقية منها . ولعل الحقيقة، التي لسنا من صناعها هذه الأيام، قد تجاوزت الكثير من تحليلاتنا وهواجسنا، بخروجها عن المسار العام المسمى بالمصالح والبترول وطبائع أنظمة الحكم والديمقراطية وحقوق الإنسان، إن كان في العراق وفلسطين أو في غيرها من دول المشرق العربي وغربه حتى . فالواقع أن ما يجري هذه الأيام، من اتخاذ قرارات متزامنة بحق القدس والهجمة على العراق، لم تكن غريبة أو مستهجنة، بقدر ما هدفت ـ القرارات ـ إلى ربط الجغرافيا بالعقائد، فإذا كانت فترة بوش الأب لم تسمح بكشف المخططات الدهرية الجهنمية، في مرحلة تسعينيات القرن الماضي، فقد أصبحت هذه الأيام أمراً محتماً بالنسبة لبوش الابن من أجل الإفصاح عنها بكل وضوح، ودون لبس أو تردد . والغريب بالأمر أن ما مهد لهذه السياسة، هي التصريحات التي أطلقها البابا أثناء زيارته للعراق في السنوات الماضية، والتي حملت عنواناً خطيراً «مشياً على الأقدام من أور إلى أورشليم»، هذه الفكرة أو العنوان لم تكن وليدة اللحظة التي نعيش، بل جاءت في التوراة المترجمة إلى العربية أن سفينة نوح استقرت على جبال «أراراط»، وهذا اللفظ العبري مأخوذ من الأصل الأكادي «أورارطو» وأنه أطلق على بلاد جبلية تقع شمالي أور «أي شمال العراق» التي استقر فلك نوح على جبالها. لكن الأهم في القضية، أن كلمة «أورارطو» الأكادية تتألف من مقطعين، أما المقطع الأول «أور» ومعناها مثل «أورشليم» أي مدينة السلام، وأنه لا يمكن أن تستقيم الحياة بهذه المنطقة، إلا إذا بني السلام في هاتين المدينتين وما بينهما، إيذاناً بعودة المسيح الثانية على الأرض، بما في ذلك بناء الهيكل في القدس بطبيعة الحال . أي أن شعار دولة إسرائيل الذي طرح قبل إنشائها، والذي ضم الفرات لحدودها الشرقية، لم يكن مجرد خيالات أو هواجس، بقدر ما كانت أهدافاً دهرية تستند إلى عقائد راسخة في القلوب قبل العقول، خاصة عند الانكلوسكسون المتحالف تحالفاً عضوياً وإيمانياً مع اليهود. بكلام أكثر دقة، أن توقيت الكونغرس في طرح القدس كعاصمة لإسرائيل والموافقة على ضرب العراق، وليس تجريده من أسلحة الدمار الشامل، في ذات اللحظة، كان تأكيداً على مشاريع اليمين المسيحي المتصهين المسيطر على مقاليد الحكم في الولايات المتحدة، والذي يرى فرصته الحقيقية في ترسيخ عقيدته الدهرية على أرض الواقع باعتبارها حقيقة إيمانية، لا ترضى التأويل؛ بل أكثر من ذلك وجد فرصته السانحة لتمرير أهدافه على المستويين الداخلي، المرعوب من مقولة الأخطار الخارجية على مستقبل الولايات المتحدة، والقابل لأي مشروع قد يمرر باسم مكافحة الإرهاب إن كان في فلسطين أو في العراق أو بأي بلد عربي آخر، والخارجي المذعن لأحلام الإمبراطور المجروح واتقاءً لشره بحجة أحداث 11سبتمر التي أصبحت عصاً غليظة تستخدم ذات اليمين وذات الشمال . ولو كان الأمر غير ذلك، ما الذي يدفع بشارون إلى رفع وتيرة عدوانه على الفلسطينيين، بالتزامن مع قرارات الحرب التي تتخذ في كل زاوية ورواق من أروقة صانع السياسة الاميركية؟! فبقدر ما كان بوش الأب يحاول منع إسرائيل من الانخراط في الحرب ضد العراق في مستهل تسعينيات القرن الماضي، بذات القدر يحاول بوش الابن خرط إسرائيل في المشاريع العدوانية ضد الفلسطينيين والعراقيين من جهة وضد العرب جميعاً من جهة أخرى في بداية الألفية الثالثة . وقد تكون مذابح غزة التي نشهدها هذه الأيام مقدمة للكثير من العدوانات القادمة ضد الشعب الفلسطيني وغيره، وإذا كان مؤتمر مدريد الوليد الشرعي للحرب ضد العراق فيما مضى فإن وأد نتائج هذا المؤتمر بكل ما حمله من أحلام وتطلعات عربية هو أحد أهم الأهداف للحرب المعلنة ضد العرب هذه الأيام . وعلى ما يبدو، وحسب توجسات بعض المصادر القيادية الفلسطينية، والتي باتت ترى بأن خطة إسرائيلية قادمة، قد أعدت بالشراكة مع البيت الأبيض بضرورة إلقاء القبض على رئيس السلطة الفلسطينية وعشرات من مساعديه، والقذف بهم إما على السواحل الليبية أو على السودان، كمقدمة لترتيب العلاقة الفلسطينية ـ الإسرائيلية بما يتوافق ومخطط « أور ـ أورشليم» القادم . أما بالنسبة للأردن فسيعمل على دمجها قسراً بهذا المشروع انطلاقاً من الجغرافيا الواصلة، وإذا ما تعذر الأمر فستضطر إسرائيل بمساعدة الولايات المتحدة لاحداث خلل أمني واسع ليتسنى تمرير مثل هذا المشروع . ومن ثم ستقع سوريا بين فكي كماشة سيصعب عليها الفكاك منها، كما لبنان التي لن تكون أحسن حالاً من حاضنتها . أما بقية الأقطار العربية المجاورة فحدث ولا حرج فالأمور كلها ستخضع تباعاً لذات الرؤية وذات المخطط، وأن المطالبة بالوقوف مع العراق هذه الأيام، ليس من قبيل التغني بأمجاد الاخوة والعروبة، بقدر ما أصبح لزاماً على كل ذي بصيرة، العمل الجاد للحفاظ على هذه التركيبة القائمة على أقل تقدير. أكثر من هذا، بات من الضروري الوقوف ضد هذا اليانكي المتغطرس الذي يسعى إلى رسم خارطة جديدة للمنطقة، وأن الأنظمة برمتها باتت مستهدفة كما الشعوب، بحيث وصلت الولايات المتحدة بمخططها الجهنمي إلى نقطة اللاعودة، وأن التطمينات والوعود التي أعطتها لبعض أصدقائها، بمنع إسرائيل من استخدام أسلحة الدمار الشامل ضد العراق وغيره، مجرد وعود كاذبة، ويجري التحضير لها هذه الأيام داخل إسرائيل على قدم وساق من أجل الانقضاض على الفريسة، التي أصبحت سهلة المنال على ما يبدو، قياساً للأداء العربي المبهم، وغير المفهوم. وليس سراً أن بعض أقطاب المعارضة العراقية، باتت هي الأخرى ترى هذه الأيام، بأن ما يجري اميركياً وإسرائيلياً، ليس مساعدة الشعب العراقي على اقتلاع نظامه الدكتاتوري بل لتنفيذ المخطط الجهنمي القائل من القدس إلى أور، وليس سراً أيضاً أن بعض أقطاب المعارضة الإسلامية وبالتحديد الشيعية منها، أصبحت تنادي ومن الخارج بضرورة التصدي لهذا المشروع، وغيرت في أدبياتها السياسية وخطابها الإعلامي السياسي باتجاه مواجهة القوات الاميركية على الأرض العراقية، وباعتبار الوجود الاميركي على الأرض العراقية احتلالا لا يمكن السكوت أو التغاضي عنه . لكن السؤال، إلى متى سيبقى العرب حكاماً ومحكومين ينتظرون حتفهم؟ وإلى متى سيبقون يخدعون بالصديق الذئب الذي يسعى إلى افتراسهم الواحد تلو الآخر؟ ـ كاتب فلسطيني

طباعة Email
تعليقات

تعليقات