خط مباشر ـ السودان وقسمة الثروة ـ بقلم: أحمد عمرابي

السبت 6 شعبان 1423 هـ الموافق 12 أكتوبر 2002 آبار النفط الراهنة والمستقبلية الواقعة داخل جنوب السودان تعتبر ملكا خالصا للجنوب، اما آبار النفط الواقعة في الشمال فهي «ثروة قومية» وبالتالي تعتبر «ملكية مشتركة» بين الشمال والجنوب. هذا هو مفهوم جون قرنق لمعادلة «اقتسام الثروة» في طرحه في مفاوضات «ماشاكوس» بين الحكومة السودانية و«الحركة الشعبية لتحرير السودان» التي يتوقع ان تستأنف جولتها الثانية قريبا، ولكن الرئيس السوداني عمر البشير اعلن مقدما ان الحكومة ستذهب الى المفاوضات بشروطها وليس بشروط قرنق، فكيف تنعكس الرؤيتان على مسار الجولة التفاوضية الثانية المرتقبة؟ ان شروط الحكومة يمكن تلخيصها في كلمة واحدة: عدم اعادة التفاوض على ما سبق ان اتفق عليه في الجولة الاولى. ونعلم ان الاتفاق الذي اختتمت به الجولة التفاوضية الاولى كان «اعلان مباديء» بمعنى انه لم يكن اتفاقا حقيقيا على قضايا ملموسة ومحددة وانما كان توافقا على خطوط عريضة لتحكم المسار التفاوضي المقبل حيث تطرح القضايا الشائكة المفصلة وكيفية الاقتراب منها. والى جانب ارساء مبدأ تقرير المصير للجنوب عقب مرحلة انتقالية محددة قوامها نظام حكم فيدرالي للسودان يتمتع خلاله الجنوب بحكم ذاتي تضمن «اعلان المباديء» اتفاقا على مسألتين كما يلي: ـ ان الحدود الجغرافية المعتمدة لجنوب السودان هي الحدود الراهنة المقررة منذ استقلال البلاد في عام 1956. ـ ان يكون هناك نظامان للحكم: نظام اسلامي للشمال ونظام علماني للجنوب. ونعلم ان الوفد الحكومي قطع المسار التفاوضي في الجولة الثانية بعد ان بدا ان وفد قرنق يريد الالتفاف على بعض بنود «اعلان المباديء» الذي جرى الاتفاق عليه، فقد طالب الوفد الجنوبي أولا بتعديل الخط الحدودي لجنوب السودان لتزحف الرقعة الجغرافية للجنوب شمالاً بحيث يضم منطقتي «جبال النوبة» و«الانقسنا».. وطالب ثانيا باستثناء مدينة الخرطوم الواقعة في الشمال من تطبيق قوانين الشريعة الاسلامية باعتبارها «عاصمة قومية» للجميع. وعندما يعلن الرئيس البشير الآن ان وفد الحكومة سيعود الى استئناف الجولة التفاوضية الثانية بشروط الطرف الحكومي فإنه يعني ان الحكومة لن تقبل اعادة التفاوض على هاتين المسألتين: حدود الجنوب ونظام الشريعة الاسلامية باعتبار انهما حسمتا في «اعلان المباديء». مع ذلك فإن القضايا المنتظرة ستكون الادهى والامر في الجولة المرتقبة، وفي مقدمة هذه القضايا مسألتا اقتسام الثروة واقتسام السلطة، واذا كان من الواضح تصور الوفد الجنوبي بشأن هاتين المسألتين الشائكتين فإن التصور الحكومي لم يتضح تماماً بعد. ان مفهوم حركة قرنق لاقتسام الثروة مغلف بضبابية متعمدة، ومنشأ هذه الضبابية ان قرنق يخلط عمداً بعين انتهازية بين ما هو ثروة اقليمية وما هو ثروة قومية، فموارد الثروة الاقليمية في الجنوب ملك جنوبي خالص.. اما ثروة الشمال فإنها «قومية» ينبغي اقتسامها. ان الموارد الرئيسية للثروة في الجنوب تتكون من اراض زراعية وثروة حيوانية «ماشية» وآبار نفط قائمة او غير مكتشفة، هذه الموارد كلها بايراداتها يجب ـ في رؤية قرنق ـ ان ينفرد شعب الجنوب وحده في الانتفاع بها دون مشاركة من الشمال، وفي الوقت نفسه فإن عبء التمويل التنموي لتطوير هذه الثروات يقع على عاتق الشمال من خلال الحكومة «القومية» أو «المركزية». الثروات الرئيسية للشمال تتمثل في الانتاج الزراعي التصديري بما في ذلك مشاريع زراعية عملاقة في مقدمتها «مشروع الجزيرة» والصادرات من هذه المشاريع تشمل القطن والذرة والقمح والسكر والسمسم والصمغ العربي الخ، كما تشتمل ثروات الشمال على ثروة حيوانية ضخمة ذات بعد تصديري الى اسواق عالمية. ثم انضمت ثروة النفط الخام والغاز بما يغطي الاكتفاء الذاتي ويوفر فائضا كبيراً للتصدير. هذه الثروات الشمالية يصنفها قرنق كثروات «قومية» للجميع.. ومن ثم فإنها واجبة الاقتسام مع الجنوب! ومما يضاعف من عجب مفهوم «اقتسام الثروة» بالمفهوم الجنوبي ان مساهمة الجنوب في الناتج القومي الاجمالي للبلاد حالياً تكاد تكون صفرا علما بأن نسبة القوى البشرية الانتاجية في الجنوب بمقارنتها بمثيلتها في الشمال ضئيلة جداً. ان ما ينتظره شعب الشمال من توقف الحرب اخيراً وحلول السلام هو العبء الاستنزافي الناتج عن حالة الحرب. واذا كان ما يرمي اليه قرنق هو استبدال استنزاف الحرب للشمال باستنزاف آخر باسم «السلام» وباسم «اقتسام الثروة» فإن ما ينتظره اهل الشمال من الوفد التفاوضي الحكومي هو رفض كامل وحازم لطرح حركة قرنق لمفهومها في «اقتسام الثروة». فاما ان تكون كل الثروات في الجنوب والشمال معا ثروات قومية للجميع واما ان ينفرد كل من الجنوب والشمال بثروته الاقليمية لأهله. والوجه الآخر للعملة هو اقتسام السلطة فكما ان قرنق يطالب بحكم ذاتي للجنوب فإنه ينبغي ان يكون ايضا للشمال حكم ذاتي الى جانب الحكم القومي الفيدرالي الذي يتشارك فيه الجميع وعلى اساس مراعاة فرق نسبة المشاركة بين اغلبية مسلمة واقلية غير مسلمة.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات