أبجديات ـ تكتبها: عائشة ابراهيم سلطان

الاربعاء 3 شعبان 1423 هـ الموافق 9 أكتوبر 2002 للامبراطوريات ذاكرتها الخاصة ومنظومة القيم الخاصة بها، تلك الذاكرة وهذه المنظومة قد لا نقبلها وقد لا نفهم منطقها، لكن ذلك ليس مهماً في عرف وقانون الامبراطوريات، فالصغار ليس مطلوباً منهم ان يقبلوا أو يرفضوا، وليس مهماً اذا ما فهموا أم لا، كل المطلوب منهم هو الصمت، كي يتمكن الكبار من اتمام مهماتهم الكبرى بهدوء! ذاكرة الادارة الأميركية لا تشبه الذاكرة العربية، ولذلك فملف الرئيس العراقي جاهز او يجهز لحين الانتهاء من مهمة تغيير النظام في بغداد، فالعملية لن تتوقف عند استبدال رئيس برئيس، وانما الولايات المتحدة تجهز كما أكدت صحيفة «لوس انجلوس تايمز» لمحاكمة صدام حسين و12 من كبار معاونيه كمجرمي حرب، والملف تحتشد ثلاث جهات رسمية عملاقة في الولايات المتحدة لتجهيزه كما يجب بكل الاوراق والمستندات، تلك الجهات هي وزارتا الدفاع والخارجية ووكالة الاستخبارات الأميركية! الرئيس ورجاله من الكبار في الامبراطورية الأميركية، يجهزون ملفات كثيرة لأنظمة سياسية عديدة في العالم، صنفت حسب استراتيجية الرئيس بوش على أنها دول أو محور الشر وهي الدول التي تعادي أميركا وتكره قيم الحرية والحضارة وحقوق الانسان، وعليه فإن هذه الدول يجب ان تمحى من الوجود ضماناً لأمن أميركا واصدقائها، ولهذا أخذت أميركا على عاتقها رسالة محاربة الشر ومن يمثلونه ويشكلون رموزه! في المرحلة التي يعاد فيها رسم خريطة العالم والمنطقة العربية من جديد، وتوزع فيها الأدوار على أسس وتقسيمات اخرى، لا يوجد مكان لأنظمة بعينها، استقر رأي أميركا على أنها تنتهك حقوق الانسان، وتهاجم المدنيين الأبرياء وتقتلهم، كما تقف في وجه الحريات الدينية وتمارس تمييزا عنصريا ضد السكان، وقد صوت الكونغرس بأغلبية ساحقة منذ أيام ضد السودان لحرمانه من عوائد بيع نفطه وذلك لأنه يمارس في الجنوب ما سماه تقرير الكونغرس بالابادة الجماعية للسكان ومهاجمة المدنيين والتمييز العنصري على أساس الدين. ذاكرة رجال الامبراطورية مدعومة بوكالة استخبارات نافذة وعملاقة، ولهذا فكل ورقة وكل شاردة وواردة مرصودة في ملفات الأنظمة، لكن هذه الذاكرة تعاني من عيب هائل، ثقب واسع جداً في هذه الذاكرة يجعل من السهل اسقاط كل ممارسات الحكومة الصهيونية ورجالها وعساكرها ضد الأبرياء المدنيين العزل في قرى وبلدات فلسطين، كما يجعل من السهل نسيان الملامح والسلوكيات الاجرامية فلا يعود أصحاب هذه الذاكرة يميزون بين مجرم الحرب ورجل السلام، ولذلك يهيأ لهم أو هكذا يحلمون بأن البلدوزر القابع على كرسي رئاسة الوزارة في «اسرائيل» هو رجل سلام بالفعل بينما لا يكاد يغسل يديه من دماء مجزرة فلسطينية حتى تشرع آلته العسكرية في تنفيذ مجزرة أشد بشاعة، ومع ذلك فملف شارون خال من أية أوراق ادانة لأنه ببساطة «رجل سلام»!! التهم توزع جزافاً هذه الأيام من قبل الادارة الأميركية، فحتى الأمم المتحدة متهمة بالشلل وعدم القدرة على اتخاذ قرارات فعالة، وما لم تستجب لمطالب (بوش) بشأن الحرب ضد العراق، فهي مهددة وعلى لسانه بالانهيار تماماً!! كاتب «الاندبندنت» الشهير روبرت فيسك حاول في مقالته الأخيرة التي رد فيها على تحذيرات بوش ان ينعش ذاكرة الامبراطور، مذكّراً اياه بأن التاريخ يقول ان ما أسقط (عصبة الأمم) هو سياسات الدول الكبرى اللا أخلاقية فيما بعد الحرب الأولى، وهو نفس السبب الذي سيسقط الأمم المتحدة، ذلك أن تستر أميركا على سياسات اسرائيل وجرائمها هو ما سيجعل الأمم المتحدة تنهار وليس عدم اصدار قرار حرب ضد العراق. لكن محاولات انعاش ذاكرة الامبراطورية لن تقود إلى نتيجة!

طباعة Email
تعليقات

تعليقات