استراحة البيان ـ الجيش النهر ـ يكتبها اليوم: سالم الزمر

الاربعاء 3 شعبان 1423 هـ الموافق 9 أكتوبر 2002 نشأت الاجيال العربية حتى بداية الثمانينيات على مباديء ورؤى وأمانٍ عربية واسلامية رسخها شعراء كبار من شعراء العربية الذين درست تلك الاجيال نصوصهم في مراحل الدراسة المختلفة حتى كان أولئك الشعراء اعلاما ترفرف في روح تلك الاجيال العربية المسلمة، وكانت اشعارهم أغاني خالدة في نفوسهم يتغنون بها كلما لاحت في الافق العربي والاسلامي حداث وأحداث. ولنا ان نذكر من اولئك أبا تمام حبيب بين أوس الطائي في قصيدته التي قالها في فتح عمورية على يد الخليفة العباسي المعتصم بن هارون الرشيد والتي مطلعها: السيف أصدق انباءً من الكتب في حده الحد بين الجد واللعب طرفة اذاعية بينما وانا أستمع إلى اذاعة من اذاعاتنا الاماراتية بل إلى برنامج يتصل بالجماهير مباشرة تطرح فيه المذيعة اسئلة على الجمهور المسكين اذا بي أسمع المذيعة تسأل عن بيت ابي تمام الذي ذكرت انفاً فتأتي الاجوبة مختلفة ومن ضمنها جواب لفتاة تقول ان هذا البيت لابي تمام فإذا بالمذيعة تخطئها وتقول مصرة كلا والف كلا ولكن طبعا بلهجة «عامية عربية» يغلب عليها الدلع لتعلن بجهل مطبق ان البيت لابي الطيب المتنبي وتنهي البرنامج على ذلك فقلت أين انت يا ابا تمام حتى ترفع قضية على هذه الاذاعة ومذيعتها تطالب بحقوقك الادبية. المهم انني أزعم ان الاجيال العربية السابقة وحتى آواخر السبعينيات واوائل الثمانينيات كانت تتغنى في كل حدث من احداثها التاريخية والسياسية بأبيات اعلام الشعر العربي كالذي اسلفت وذكرت لابي تمام وكقول احمد شوقي: دم الثوار تعرفه فرنسا وتعلم انه نور وحق وكقول حافظ ابراهيم مدافعاً عن العربية: أنا البحر في أحشائه الدر كامن فهل ساءلوا الغواص عن صدفاتي وكثير من شعراء سواهم كالكويتي صقر الشبيب وفهد العسكر. لكن اجيال هذا الزمان شغلوا بغناء آخر ليس هو غناء العرب ونشيدهم الاصيل وهو الشعر بل اصبحوا اسرى أغانٍ «هابطة» عليهم وعلينا لا اقول «هابطة» من اعلى بل من القاع وهو هبوط يشبه «الصعود إلى الهاوية» فلم تعد اجيال هذا الزمان تعرف او تحفظ شعرا خالداً في الارواح والنفوس لكنها تحفظ كلمات ركيكة تدقها في رؤوسهم مطارق الموسيقى الصاخبة حتى تصم اذانهم واذواقهم وتعمي عيونهم عن كل جميل من الادب والشعر حتى اضحى اكثرهم تائها ضائعاً الا من رحم ربي. المهم ثانياً ان الذي ذكرني بهذا قصيدة قرأتها منذ ما يزيد على العقد من الزمان للشاعر السوري الكبير سليمان العيسى في مجموعته الجميلة «نشيد الجمر» تلك التي يكتبها كتابة شاعر لا كتابة «مقرر اخباري» كما يفعل كثير من «نظام الشعر» يكتبها حول وصية الخليفة الاول بعد رسول الاسلام عليه الصلاة والسلام، وصية أبي بكر إلى الجيش تلك الوصية التي هي وثيقة حضارية لحقوق الانسان روحا وجسداً ووصية ابي بكر والجيش الاسلامي زاحف للفتح.. يقول: الجيش نهر من تسابيح ونهر من سيوف والقائد الأعلى رؤى علقت بمجهول مخيف والقصيدة من اولها تنم عن شاعر مصور يحيل الحديث عن الحديد وعن الفكر القيادي الجاف إلى حديث يموج بالصور الموحية التي لا تترك خارج «الوصية البكرية» متفرجاً بل داخلها منفعلاً تنهمر دموعك مع تسابيح الجيش المسلم الفاتح وتجري معه جريان النهر رقة وقوة الرقة، رقة التسابيح لتسابيح ارواح المجاهدين الاوائل من الصحابة، والقوة قوة السيوف التي تمثل قوة اندفاع النهر الجاري، فالجيش نهران نهر من تسابيح ونهر من سيوف. اما القائد الاعلى ابوبكر رضي الرحمن عنه وأرضاه، الخليفة فلقد شف وشفت روحه حتى صار «رؤيً» علقت بمجهول المخيف لا خوفاً من الحرب والقتال بل خوف على المسلمين مما ينتظرهم من ذلك المجهول الذاهبين اليه وما ذاك الا لأن الجيش ليس كجيوش هذا الزمان افراداً وارقاماً وعتاداً، ولأن القائد الاعلى ليس كأكثر قادة هذا الزمان نياشين ورتبا عسكرية واوامر بالقتل والنهب، بل لأن الجيش صحابة من صحابه الرسول الكريم ولان القائد الاعلى صاحب رسول الرحمن وصديقه الاول. ثم يمضي سليمان العيسى في ايراد وصية ابي بكر لجيشه النهر وصية قائد مسلم يعلم العالم الحضارة والانسانية في اكمل وجوهها رحمة وعدالة بالناس حتى وان خالفونا العقيدة، فقال. لا في صورة امر عسكري بل في صورة «غمغمة» حزينة متأثرة لكنها قوية بدليل اقتحامها صفوف الجيش: لا تجرحوا الحلم على الاغصان لا تقتلوا اناشيد الناس وافراحهم لا تقطعوا الاشجار الخضراء لا ترفعوا سيفاً على ضعيف لا تزعجوا شيخاً كبيراً ولا طفلاً. ثم ماذا بعد تلك الوصية يحدث ان تمطر الوصية في مئات وآلاف الرجال قال سليمان العيسى تمطر الوصية في الجنود كحفيف الشجر كالنور كالحب فيسير الجيش النهر يطوف الارض فتمتليء الارض عدلا ورحمة. اخيراً هل ابناء هذا الزمان وجيله يتخذ من هذه الابيات الرائعة اغنية لهم بدلا من «آلو بابا فين» او «سلامو عليكو»؟ وصية أبي بكر الجيش نهر من تسا بيح ونهر من سيوف والقائد الأعلى رؤى علقت بمجهول مخيف وتند غمغمة وتق ـتحم الصفوف إلى الصفوف لا تجرحوا بسيوفكم حلما على غصن وريف لا تقلقوا أنشودة رقدت على وتر شفيف لا تقطعوا خضراء .. لا ينض السنان على ضعيف لا تزعجوا شيخا ولا طفلاً.. وتمطر كالحفيف كالنور، كالحب الوصية في المئين.. وفي الالوف ويسير نهر النور.. يا اعلامنا في الارض طوفي!

طباعة Email
تعليقات

تعليقات