تفصيل الديمقراطية على مقاس الشعب ـ بقلم: د. محمد الرميحي

الثلاثاء 2 شعبان 1423 هـ الموافق 8 أكتوبر 2002 بقي على موعد الانتخابات العامة في باكستان ثمان وأربعون ساعة، وهي بلاد لا تبعد عن بعض عواصم دول مجلس التعاون الخليجي إلا ساعات قليلة من الطيران، ويعيش اثنان من قادتها المهمين في بلاد الخليج بجانب ملايين من مواطنيهم الذين يعملون في الكثير من النشاطات الاقتصادية و الخدمية، ومع هذا القرب فان الانتخابات هناك لا تأخذ ما تستحقه من المتابعة عندنا، رغم أهميتها وربما تأثيرها المستقبلي على هذه المنطقة. الانتخابات العامة الباكستانية التي تجري في العاشر من أكتوبر الجاري تأتي بعد ثلاثة أحداث كبرى، أولاها الانقلاب العسكري الذي قام به الجنرال بيرويز مشرف على الحكومة السابقة التي كان يقودها رئيس الوزراء نواز شريف، والثاني هو التغيرات الدستورية التي أجرتها حكومة مشرف ومنحته صلاحيات واسعة، والثالث هو بالطبع ما تركته أثار الحادي عشر من سبتمبر 2001 من أثار على سطح الحياة الباكستانية الذي ظل بعضه لم يعالج بعد. هذه الانتخابات تضع السياسة الأميركية على المحك العملي، فإذا كانت تشجع احلال الديمقراطية بعد أحداث سبتمبر العام الماضي على نطاق العالم فحرى بها كما يقول منتقدوها أن تشجع الديمقراطية الحقيقية بين حلفائها ومن أولهم باكستان، فهي لا تستطيع أن تكيل بمكيالين الأول هو الدفاع عن الديمقراطية من حيث المبدأ والثاني السماح لحليف مهم مثل باكستان أن تفصل ديمقراطية على مقاسها. على الرغم من تغيير الدستور الباكستاني من خلال الاستفتاء العام الذي وقع قبل اشهر، فان الأطراف السياسية الباكستانية كانت مستعدة أن تدخل المعركة الانتخابية، ولكن الحكومة القائمة أرادت غير ذلك فقد منعت بنازير بوتو زعيمة حزب الشعب من التقدم للترشيح، و رغم أن نواز شريف، زعيم حزب الرابطة الإسلامية قد قدم أوراق ترشيحه إلا انه سحبها بعد ذلك لإظهار التضامن مع بوتو، وقدم أخوه الأصغر شهباز شريف وزوجته كلثوم نواز أوراق ترشيحهما اعتقادا منهما بضرورة التواجد وسد الفراغ الذي أحدثه انسحاب نواز شريف إلا أنهما منعا بعد ذلك من خوض الانتخابات. التصويت للزعيم في مجتمع مثل المجتمع الباكستاني المعتمد على الولاء العائلي و الشخصي فان غياب الأسماء الكبيرة تمنع أحزابها من الحصول على نصيب في أية انتخابات، فالناس تصوت للزعيم و بغياب بنازير بوتو و نواز شريف يصبح الناخب الباكستاني من مؤيدي الحزبين حائراً و ضائعاً لا يعرف لمن يعطي صوته. قال برويز مشرف عندما وصل إلى الحكم بانقلاب عسكري أنه سيقتدي بمؤسس تركيا الحديثة «الذئب الأغبر كما تصفه كتب التاريخ» كمال أتاتورك، ومن ذلك التصريح توقع المراقبون رغبة مشرف في تخليص السياسة الباكستانية من الدين، كما فعل أتاتورك ربما بسبب ابتذال السياسيين الذين لجأوا إلى استخدامه كوسيلة لتحقيق طموحاتهم ضاربين عرض الحائط بالمصالح الحقيقية للناس، ولكنه سرعان ما اكتشف أن باكستان في صلب تكوينها كدولة يجرى في دمائها الإحساس بالتدين وهو الفارق بينها وبين جارتها التي انفصلت عنها (بنغلاديش) فلم يكن الدين رابطا كافيا لربطها بالوطن الأم، إلا انه أصبح من مكونات العمل السياسي، و حزب الرابطة الذي كان في السلطة بني مجده على تلك العلاقة، وهي علاقة متجذرة لدى الشعب الباكستاني، لذا فان المراقب يرى أن الأحزاب الدينية المنضوية تحت لواء (المجلس المتحد) ربما تحصل على نصيب وافر من المقاعد في البرلمان المقبل، وهي أحزاب صغيرة تميل إلى الاعتدال، كما تراهن حكومة مشرف على ما تسميه الأغلبية الصامتة، تلك التي ليس لها ارتباط تاريخي بزعماء المناطق التاريخيين في السند أو البنجاب. في تصريح لبرويز مشرف لجريدة نيويورك تايمز في سبتمبر الماضي قال ان باكستان لم تحصل على ديمقراطية حقيقية طوال تاريخها، نريد ديمقراطية مفصلة على حجم باكستان. وهذا التفصيل على المقاس هو الذي قاد إلى تغييرات في الدستور وهو الذي ربما يقود إلى وضع يائس لدى السياسيين الباكستانيين التقليدين، أما الجدد فقد قبلوا التغيير الدستوري بصدر رحب. أحد ممثلي هذا التيار وهو كريم عمران الرياضي الذي تحول إلى سياسي، وهم كثيرون في عالمنا الثالث يقول، انظر إلى العمل السياسي في الخمس عشرة سنة الماضية، الحكومات تعزل بسب الفساد و يسمح للسياسيين فيها مسببي الفساد بخوض الانتخابات من جديد، كما حدث في السابق مع بنازير بوتو ونواز شريف، مثل هذه التصريحات هي بمثابة موسيقى في آذان الحكومة القائمة. أن يحدث في باكستان انتخابات في الوضع الراهن هو عمل من وجهة نظر أخرى متقدم، لأن هناك حربا ضروسا تخاض على حافة باكستان الشمالية، في أفغانستان و تهديدات حقيقية من جارة الجنوب و الغرب بلاد الهند الكبيرة، أما الشعلة التي ما زال لهيبها لم ينطفئ فهي في إقليم كشمير الذي يسبب لباكستان قلقا لا ينتهي. أسماء وليست برامج منذ التسعينيات حتى اليوم فان اقل الانتخابات حماسا لدى الناخب الباكستاني هي التي سوف تجري بعد غد، فبعد قص الديمقراطية وصل المقص لقص الأسماء و القيادات التقليدية، و الشعوب تعودت، خاصة في العالم الثالث على أسماء و ليس على برامج. برويز مشرف من المهاجرين الأوائل الباكستانيين القادمين من الهند منذ سنة 1948، وقد نما عدد المهاجرين كي يصبحوا اليوم حزبا كبيرا ممتدا في المراكز المدنية في المدن الباكستانية، إلا انه يعتمد أيديولوجيا على الدين أو شكل من أشكال تعبيراته السياسية، و بالتالي فان الإدارة الجديدة، بعد الانتخابات، سوف تجد نفسها في الوقت الذي تحارب فيه التطرف تعتمد في حكمها على قاعدة لها مؤسسه على الإسلام السياسي سواء في المهاجرين أو في المجلس المتحد. الانتخابات الباكستانية القادمة مهمة جدا لدول الخليج، لان نتائجها سوف تؤثر على علاقات قائمة وقادمة، فقد كانت باكستان الشقيقة غير المباشرة لدول الخليج وتعززت هذه العلاقة عندما أصبحت باكستان ممرا لمحاربة الشيطان الأكبر وقتها الاتحاد السوفييتي، وهي التي احتضنت فترة كممر و فترة أخرى كمقر عشرات آلاف من أبناء الخليج في طريقهم إلى الحرب في أفغانستان أو عائدين منها، وأية تغيرات هناك من الواجب النظر إليها بمنظار مكبر لمعرفة ما يمكن أن تسفر عنه، وربما يصبح الخياط الباكستاني الذي خاط شكل الديمقراطية المطبقة يصلح أن يخيط مثلها في أماكن أخرى من يدري! ـ كاتب كويتي

طباعة Email
تعليقات

تعليقات