بدون عنوان ـ تكتبها: مريم عبدالله النعيمي

الاثنين 1 شعبان 1423 هـ الموافق 7 أكتوبر 2002 تعود بي الذاكرة الى الساعات المكتبية التي كانت جزءاً من النظام التعليمي الجامعي، حيث مثلت قيمة عظيمة الاثر لاولئك الطلاب والطالبات ممن بدأوا يتحسسون دروبهم القادمة، ليرسموا دوائر التأثير الخاصة بهم والتي من شأنها ان تقدمهم للمجتمع كنماذج ملتزمة بأهداف المجتمع، ومرتبطة ببرامجه التنموية في تحسين القدرة الذاتية للافراد على الوفاء بواجباتهم المختلفة. واذا ما اسعف القدر تلك الكوكبة المتميزة من طلاب وطالبات الجامعة، ووضع في طريقهم استاذا له حضوره العلمي ومنزلته الادبية في نفوس طلابه، وكان حريصا على تفعيل علاقته بأولئك الباحثين الجدد، فان ثمة اضافة لا تقدر بثمن سوف تتأتى للطلبة الطموحين الذين اقترنت اهدافهم باهداف اولئك الاساتذة، واصبحوا بحكم الواقع امتداداً طبيعياً لدور معلمهم في الحفاظ على جوهر الرسالة العلمية، وأهدافها في خدمة الناس. ولقد برع صفوة من الاساتذة في اكتشاف طاقات الطلاب وآمنوا بقدرتهم على دفع ضريبة التميز العلمي، فلم يبخلوا عليهم بوقت، او بخبرة، او مشورة، بل وضعوا ما لديهم من امكانيات بين ايدي هواة البحث عن الجديد الذين واصلوا الدرب فأصبحوا بدورهم محترفين كباراً في مضمار الحياة الذي استقطب اولئك النخب الجديدة، وبرع في تقديمهم للناس او برعوا هم في تقديم ما لديهم بعد ان توحدت اهدافهم مع اهداف المجتمع الذي يجتهد رجاله المخلصون في تقديم النخب، وابراز المتميزين من افراد الجيل الجديد. ولأن المساقات الدراسية لم تكن قادرة على إرواء ظمأ تلك النماذج المتميزة من الطلاب والطالبات. فقد كان وجود نماذج علمية متقدمة قادرة على سد فجوة بين بساطة ما هو مكتوب في المواد الجامعية وبين طموح اولئك الشباب المتحفزين للغد، هو حلقة الوصل التي انجحت وجود اولئك الطلاب في الحرم الجامعي، وجعلت من سنوات الدراسة رحلة شيقة بها من مفاجآت البحث، وغزارة المعرفة ما يكفي لتحقيق اهداف كبرى في تلك السنوات القليلة العدد، العظيمة الثراء والنفع والخصب. كما نتج عن الاتصال الفعال بين الاساتذة والطلاب وصول هواة البحث عن المعرفة الى الاقتناع بأهمية تفعيل المسار العلمي في الحياة الاجتماعية التي تنتظرهم بعد استلام شهادة التخرج من الجامعة. خاصة وان ملازمة البحث، وممارسة اسلوب الترجيح بين الآراء العلمية التي استغرقت سنوات الدراسة، استطاعت ان تشحذ ذهن تلك الفئة من الطلاب نحو احترام الطريقة العلمية بل احتراف اسلوب التحليل والمقايسة والموازنة بين الادلة واختيار ما يطمئن اليه العقل، مما اضفى على شخصيتهم طابع الجدية، وسما بهم عن الاكتفاء بأدوار تقليدية تعتمد على ترديد افكار الناس، والتغني بما تمضغه الالسنة، ومسايرة الموجة التي غرق فيها زملاء لهم كثر، عزفت نفوسهم عن الانتماء الى درب البحث والاكتشاف، وآثروا ان يعيروا عقولهم لمن استحق بها، وجعلها طعما سائغاً للكسل والخمول، حتى اصبحنا نرى ونسمع عن مجموعات من طلاب وطالبات الجامعة لا يخجل احدهم ان يمارس الغش في الامتحان، ويسلك اساليب ملتوية لنيل الشهادة الجامعية، بعد ان ثقلت ارواحهم عن احتمال مجرد القبول والرضا بواجباتهم التعليمية!! بينما استوعب الباحثون الجدد، الملتزمون بالطريقة العلمية في التفكير، بان النجاح المهني الذي يتوق اليه الفرد في حياته العملية لا يتأتى من خلال الاكتفاء بدور المراقب لاحداث الحياة الذي لا يملك الا ان يسجل ملاحظاته ثم يلوذ بالصمت الطويل، انما النجاح في ان يكون الانسان صانعا للحدث، صائغا له مشاركا في تحديد مساره، وفي كيفية ادائه على النحو الفعال. وان اثمن درس تعلمه اولئك الجالسون بأدب في محراب العلم، الماثلون بين ايدي اساتذتهم وقد القوا لهم السمع، واصغت جوارحهم لكنوز المعرفة التي اهداها لهم ذلك الجيل من الرواد ان التعليم لا يتم الا بعد تغير التصرفات، ومن اجل ذلك حدثت مصاحبة تامة بين آفاق العلم ودروب العمل، وكان المستفيد الاكبر لتلك المخرجات التعليمية الجديرة بالاعتزاز هو المجتمع الذي له قبل سواه يعمل ابناؤه المخلصون.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات