بدون عنوان ـ تكتبها: مريم عبدالله النعيمي

الاحد 29 رجب 1423 هـ الموافق 6 أكتوبر 2002 «الشخص الذي يمتلك الخبرة لا يمكن ان يقع تحت رحمة شخص آخر خلال المناقشة». س.أس. لويس. تمثل الخبرات الايجابية العلمية او السلوكية خطوطاً دفاعية امام الآراء الشاذة والضعيفة المفتقرة الى الموضوعية والسند العلمي. كما انها تعد رصيداً جيدا من شأنه ان يرفع درجة احترام المرء لنفسه، ويمنحه الشعور بالقدرة على مواجهة المتطفلين واصحاب النوايا الرخيصة الذين قد يلتقي بهم في الحياة اما بطريق المصادفة، او عن طريق الصحبة والملازمة. كما ان تلك الخبرات تساعده على الحفاظ على انفعالاته اثناء المرور بمختلف التجارب الحوارية وتكسبه القدرة على الدفاع عن قناعاته، وتقديمها للآخرين على انها هويته الثقافية، ومرجعيته التي لا يتنازل عنها مهما كانت الظروف. غير ان اللافت للنظر ان مسألة الترويج للافكار الخاصة لا تقتصر على الاشخاص الاسوياء إنما يتعدى الامر الى اصحاب الدرجة المتدنية من الافكار الذين لا يتردد احدهم ان يدافع عن كافة مواقفه وآرائه بل ان يدعو المخالفين الى اعتماد وجهة نظره مهما كانت هابطة ورديئة. وحتى لا يسحب البساط من تحت ارجل المراهقين والمراهقات ينبغي التبكير في تزويدهم بالمعلومات الصحيحة التي تساعدهم على اتخاذ المواقف الفكرية الناضجة، وتحدد لهم اتجاهاتهم وتدفعهم لاتخاذ مواقف سلوكية تتوافق مع ما زودوا به من رصيد معرفي قادر على حمايتهم من سيل المهاترات الكلامية، والعروض الترويجية، التي برع بها اعداد من المراهقين والمراهقات. واصبحوا يجأرون وبصوت عال بكل ما لديهم من افكار سقيمة، دون ان يتمهلوا لحظة لاخذ جزء من الوقت ليكتشفوا تلك الحقيقة التي غابت عنهم وسط انفعالاتهم الشديدة، وتهريجهم الدائم، وحماسهم الغريب لكل فكرة لا وزن لها ولا قيمة. فقد كان حري بهم ان يعقلوا ان فوضى القيم والاخلاق ليست هي الطريق الامثل للانضمام الى قافلة التطور والتقدم، بل هي طريق مختصر لتكريس عادات خاطئة يصبح مع مرور الزمن من العسير التخلص منها، او النجاة من آثارها السلبية على ممارسيها. والمحزن في الامر ان غياب الدور التوجيهي، واهمال التربية الوقائية، ادى الى الانهزام السريع امام التقليعات الحديثة التي وجدت امثال اولئك الشباب فارغين من كل شيء، فلا قلب يعي، ولا عقل يدرك، ولا إرادة تحرك في الاتجاه الصحيح، ولا خبرة سلوكية جيدة تمنع صاحبها من الوقوع في الخطأ، وتؤكد له انه قادر على الالتزام بقواعد القيم والاخلاق. وقبل عدة ايام حدث ما يؤكد هشاشة الموقف الانهزامي الذي اتخذه كثير من الفتيان والفتيات نمطاً سلوكيا ارادوا به الوصول الى السعادة، ولكنهم وصلوا الى مزيد من العبث واهدار الوقت، والى مرحلة من التشكك وعدم الثقة، والاحساس بضآلة الافراد الذين يتصلون بهم، وعدم اهليتهم لينالوا قدراً من الاحترام او التقدير. فقد اتصلت بي صحيفة تبحث في قضايا الشباب وفتحت ملف الاستخدامات الخاطئة لمواقع الدردشة على الانترنت، وطلبت التعليق على تلك العلاقة الوهمية التي تنتج من الانفتاح على الجنس الآخر، والتي تجر طائفة من الممارسات السلبية التي تترك ندوباً وجراحاً ربما عجز الزمن عن علاجها. لقد جاء سؤالها على النحو التالي: ما هو تعليقك على تلك التجربة الحوارية المفتوحة في مواقع الدردشة على شبكة الانترنت، والتي يكون بطلاها مراهق ومراهقة تدور بينهما احاديث سقيمة، ويعتقد احدهما في صاحبه الكذب، وانه ليس الا ممثلا محترفا يجيد العبث بالمشاعر، ويتقمص دور الصديق المخلص وان كان ابعد الناس عن الوفاء والالتزام بالعهد. واللافت في عرض السؤال هو تقمص الاعلامية لدور القاضي الذي يمسك بخيوط قضية تهم الرأي العام ويريد ان يصدر حكمه النهائي بها، بعد ان تبين له القصد وراء السلوك السلبي، والترصد لتخريب البنية النفسية لكل فرد يدخل في حوار من هذا النوع وكأن هذا القاضي لم يجد امامه ذريعة واحدة ليلتمس بها العذر لمن يتجرأ على اختراق الخطوط الحمراء، ويتسبب في اشعال حرائق في البيوت، واتهامات وشكوك لا يمكن اطفاؤها، او انهاؤها بطريقة حكيمة. لقد وقف الجواب حائرا يتلفت هل يبدأ مرافعته عن حق المجتمع بطلب اجراء تحقيق فوري لجموع الآباء والامهات الذين فشلوا في اداء مهماتهم التربوية، والذين جهلوا بالاولويات واختلطت عليهم المسائل، ام يطالب بالتحقيق مع القوى الاعلامية التي اصبحت مهيمنة على ادمغة الكثير من الشباب؟ ام يوجه الاتهام المباشر الى اولئك الفتيان الذين لم يتعودوا ان يكبحوا جماح انفسهم اذا ما دعتهم الى الطريق الخاطيء؟ ام ان كل تلك الاسباب مجتمعة ادت الى انهيار المعنويات، وتراجع القدرة على اختيار السلوك الجيد؟!!

طباعة Email
تعليقات

تعليقات