خط مباشر ـ الحرب الصليبية العصرية ـ بقلم: أحمد عمرابي

السبت 28 رجب 1423 هـ الموافق 5 أكتوبر 2002 نستأذن الادارة الأميركية في طرح سؤال بسيط: ألا تملك كوريا الشمالية أسلحة دمار شامل؟ ان طرح هذا السؤال لا يلغي بالطبع طرح سؤال مماثل بشأن 200 رأس نووي تملكها اسرائيل بالاضافة الى ما تشتمل عليه الترسانة الاسرائيلية المعتمدة على الدعم الأميركي من أسلحة كيماوية وأسلحة جرثومية لكن اذا افترضنا ان التفكير الواقعي يقتضي ألا نتصور ـ مجرد تصور ـ ان الولايات المتحدة تحت اي ادارة يمكن ان تستهدف اسرائيل بضربة عسكرية على نحو ما تعتزم ادارة بوش القيام به الآن ضد العراق فماذا عن كوريا الشمالية؟ ان الحالة العراقية فيما يتعلق بأسلحة الدمار الشامل غير قابلة للمقارنة مع الحالة الكورية الشمالية. فبينما تملك كوريا الشمالية ترسانة ضخمة من الاسلحة الكيماوية والجرثومية بالاضافة الى برنامج نووي متقدم وترسانة صواريخ عابرة للقارات ومجهزة لحمل رؤوس نووية فإن امتلاك العراق لمثل هذه الاسلحة المرعبة بعد 11 عاماً من التفتيش والتدمير على ايدي الفرق الدولية ليس سوى مجرد اشتباه. لقد اكد سكوت ريتر مفتش الأسلحة الاميركي المستقيل في اكثر من مقابلة تلفزيونية وصحفية انه عندما غادر المفتشون الدوليون العراق اواخر عام 1998 كانوا قد فرغوا من تدمير 97 في المئة مما كان لدى العراق من اسلحة الدمار الشامل. بالتالي نتساءل: لماذا تتعامل الادارات الاميركية المتعاقبة حتى الآن مع كوريا الشمالية بشأن اسلحة الدمار الشامل بأسلوب الدبلوماسية السلمية بينما تتعامل مع العراق بأسلوب الحرب؟ لن نهتدي الى اجابة دقيقة ومستوفاة الا اذا تعاملنا مع السؤال من خلال الاطار العريض لما يطلق عليه «الحرب الاميركية ضد الارهاب». ان الهدف الأوحد لهذه الحرب كما تثبت الاحداث المتعاقبة يومياً منذ 11 سبتمبر 2001 ومن خلال التطبيق الميداني المرئي هو العالم الاسلامي والمسلمون. ولو كانت كوريا الشمالية دولة اسلامية كالعراق لاختلف التعامل الاميركي الراهن مع حالتها. وانظر في احداث الاسبوع الماضي كأقرب مثال: دبلوماسي اميركي عالي المستوى يصل العاصمة الكورية الشمالية بيونج يانج للتفاهم مع المسئولين الكوريين الشماليين في كيفية تحسين العلاقات الثنائية عبر التوصل الى تفاهمات حول البرنامج النووي الكوري والصواريخ طويلة المدى. في الوقت نفسه يحدث الآتي على صعيد التعامل الاميركي مع العالم الاسلامي: الولايات المتحدة تمتنع عن التصويت على مشروع قرار في مجلس الامن الدولي يطالب اسرائيل بفك الحصار عن الرئيس الفلسطيني عرفات وارسال قوة دولية الى الاراضي الفلسطينية لحماية الشعب الفلسطيني من القوات الاسرائيلية. الرئيس بوش يوقع على مشروع قانون للعلاقات الخارجية يتضمن بنداً ينص على اعتبار مدينة القدس عاصمة رسمية للدولة الاسرائيلية. السلطات الاميركية تبدأ تطبيق اجراءات تشمل اخذ بصمات والتقاط صور الزائرين من خمس دول اسلامية هي سوريا والعراق وليبيا والسودان وايران. وبينما يتواصل التعامل الاميركي مع كوريا الشمالية بالوسائل الحضارية الدبلوماسية على خلفية المخزونات الكورية من احدث اسلحة الدمار الشامل يواصل الرئيس بوش حملته العالمية الشرسة بهدف عزل العراق دولياً تمهيداً لاعلان الحرب عليه. على الصعيد الداخلي ثابرت ادارة بوش حتى ظفرت بقرار من مجلس النواب يدعم توجه الادارة لفتح نيران الجحيم على العراق المسلم. وعلى صعيد مجلس الأمن الدولي يواصل كبار الدبلوماسيين الأميركيين معركتهم ضد العراق من اجل الحصول على ذريعة لتبرير الغزو المرتقب. وفي هذه الاثناء تتواتر الاخبار من معسكر غوانتانامو سيئ الصيت الذي تحتجز فيه السلطات الاميركية عدة مئات من المسلمين من جنسيات مختلفة بأن عدداً منهم حاولوا الانتحار بعد ان استبد بهم اليأس. فالمحتجزون معزولون عن الدنيا دون امل حتى في محاكمة غير عادلة.. يحظر على اي من كان مقابلة اي منهم بمن في ذلك المحامون ومراسلو الوسائل الاعلامية. ولأن «الحرب على الارهاب» هي حرب موجهة ضد الامة الاسلامية تحديداً لاخراجها من مجرى التاريخ المعاصر فإنها حرب بلا نهاية لكن المؤسف حقاً ان الولايات المتحدة تراهن في مواصلة شن هذه الحرب الى اجل غير مسمى على سلبية انظمة الحكم في العالم الاسلامي ذاته.. وهي سلبية بلغت درجة قد تصل التواطؤ. هذه محنة.. وربما تكون اعظم محنة تواجه الأمة الاسلامية منذ نهاية الحروب الصليبية قبل سبعة قرون. ويمكن ان نقول دون مبالغة ان «صدام الحضارات» قد بدأ بالفعل دون تسمية بينما اتخذت حكومات اسلامية لنفسها الوقوف في الصف المناوئ لشعوبها. وما خفي كان اعظم: فقد نشهد غداً في العالم الاسلامي تغييرات كاسحة في أنظمة التعليم تستهدف تشكيك الاجيال الصاعدة في عقيدتهم الدينية واعادة كتابة التاريخ الاسلامي. انها «الحرب الاميركية ضد الارهاب العالمي» التي تسارعت حكومات اسلامية الى تأييدها بصورة مطلقة دون حتى ان تسأل واشنطن ما المقصود تحديداً بعبارة «الارهاب».

طباعة Email
تعليقات

تعليقات