إلى اللقاء ـ لولا فسحة الأمل ـ بقلم: حسين درويش

السبت 28 رجب 1423 هـ الموافق 5 أكتوبر 2002 يقول بعض العامة «حظ اعطيني وفي البحر ارميني» ويعني ان الحظ سيلعب دوره في انقاذه من البحر، ولكن الذين يمتلكون حظاً طيباً في الحياة قلائل باعتبار ان مسألة الحظ شأن فردي شديد الخصوصية لا يمكن ان يكون جماعياً، اذ لا يعقل ان يفوز آلاف المتسابقين في برنامج من سيربح المليون! وكذلك الحال في سحوبات السيارات الفخمة واوراق اليانصيب وغيرها من القضايا التي تحتاج إلى حظ يفلق الصخر حتى يفوز المرء بجائزة العمر. وعليه فانا أعتبر نفسي لست شخصاً محظوظاً عبر ثلاث وقائع سأوجزها فيما يأتي: في منتصف التسعينيات نشرت احدى صحفنا المحلية ان شخصاً اسمه حسين درويش وجد حقيبة فيها مليون دولار نقداً في محل لبيع الاقمشة بالشارقة وراح يبحث عن صاحبها في السوق حتى وجده واعادها اليه حيث كان الرجل نسيها وسط زحمة مجموعة سياح شرقيين خلال تواجدهم في محل بيع الاقمشة، يومها ارتفعت اسهمي لدى زملاء المهنة كثيراً إلى تلك الدرجة التي قال فيها احدهم ان الصحفيين لديهم التزام اخلاقي تجاه الآخرين وان الامانة تقتضي منهم ان يكونوا قدوة حسنة في مجتمعاتهم، ونلت خلال ذلك من الاطراء والتقدير ما لم انله طيلة حياتي، عموماً لم اكن ذلك الرجل الذي اعاد المليون دولار انه مجرد تشابه في الاسماء فقط! الواقعة الثانية كانت خلال مهرجان رمضان العام الفائت حيث اخبرني زميل في المؤسسة انني فزت بجائزة قيمتها عشرون الف درهم مقدمة من غرفة التجارة وسارع إلى عرض الخبر امامي، فصدقت الواقعة ومن ثم اتصلت بالجهة المانحة التي طلبت مني الحضور إلى الغرفة لاستلام الجائزة، فطرت إلى هناك لاجد السيدة التي كلمتها تقول لي ان الكوبون الرابح لا يعود رقمه لك بل لحسين درويش آخر كان يتسوق في سوق الذهب. فأسقط في يدي وعدت ادراجي بخفي حنين. الواقعة الثالثة كانت يوم الاربعاء الماضي حيث استلمني الزملاء من مدخل المؤسسة إلى مكتبي وهم يهنئوني على فوزي بعشرة آلاف درهم مقدمة من احد البنوك المحلية وان اسمي منشور بين اسماء الفائزين، فنظرت ملياً إلى حسين درويش الآخر المحظوظ الذي فاز ثم قلت للزملاء بكل صدق وامانة: لا حساب لدي في هذا البنك الذي يمنح الآلاف العشرة، ثم سردت هذه الحادثة البسيطة لبعض الزملاء مدللاً على أنني شخص لا اتمتع بحظ حسن، فقد قررت ذات يوم أن احضر حفلاً سمفونياً لفرقة يابانية تقدم عرضها في المسرح الكبير بالمجمع الثقافي في ابوظبي، ولسبب ما ذهبت متأخراً بعض الوقت، ولكن احد منظمي الحفل طلب مني عدم الدخول الآن لان دخولي سيربك الصالة وانا ابحث عن مقعد او ازعج الآخرين بسحق اصابع اقدامهم، لذلك قال: قف هنا يا سيدي واختر كرسيا لتجلس عليه، ان الفرقة ستتوقف عن العزف عند الحركة الرابعة من السمفونية حينها يمكنك الاسراع إلى الكرسي الذي اخترته لتجلس عليه. ورحت اجول بنظري في القاعة لاجد اكثر من خمسين كرسياً شاغراً ووقع اختياري على كرسي في الوسط حيث اشاهد جيداً واسمع بشكل سليم كما ان الشخص الجالس في الصف الامامي قصير القامة لا يحجب عني الرؤية والآخر الذي يجلس في الصف الذي في الخلف مديد القامة فلا احجب الرؤية عنه. توقفت الفرقة عن العزف فأسرعت إلى كرسيي المأمول وجلست عليه ثم حدثت فرقعة هائلة وسقوط مريع ضجت خلاله القاعة بالضحك والسخط والاستهزاء، فقد كان الكرسي الذي اخترته هو الكرسي الوحيد المكسور في هذه الصالة العملاقة التي فيها اكثر من سبعمائة كرسي!. ومع تقدمي في العمر زاد يقيني ان الحظ ليس حليفي لذلك لا اميل إلى قص الكوبونات ووضعها في الصناديق ولا اشارك في برامج المسابقات واشعر بتأنيب الضمير لو حصلت على شيء لم ابذل فيه جهداً كبيراً. وهذا ليس تشاؤماً، انه منطق الواقع الذي يأمل الانسان من خلاله الفوز ولكن ليس بتلك السهولة التي تجعلك ثرياً، ان تفوز بالرضا عن نفسك وعما انجزت وتلك قيمة كبيرة في الحياة للحظ فيها نسبة ضئيلة والنسبة الاكبر لـ «فسحة الامل». Email:H-S-D @ MAKTOOB.COM

طباعة Email
تعليقات

تعليقات