شارون.. الارهاب بالوراثة ! ـ بقلم: د. مصطفى رجب

الجمعة 27 رجب 1423 هـ الموافق 4 أكتوبر 2002 في كتابه (محاكمة الصهيونية الاسرائيلية) ينقل رجاء جارودي عن ارييل شارون قولاً اذاعه عام 1981، قبل غزوه لبنان ـ جاء فيه: «في السنوات القادمة ستمتد منطقة المصالح الاستراتيجية لاسرائيل، ليس فقط الى الدول العربية في البحر المتوسط، بل إلى كل الشرق الاوسط، كما ستمتد الى ايران وباكستان والخليج وافريقيا وتركيا». وهذا الكلام يفسر الى حد كبير نفسية هذا «الجنرال» العجوز المتعطش الى الدماء، المحب للسيطرة، المشبع بالغرور الذي يتجاوز حدود مرض (البارانويا) المعروفة علمياً ليصبح حالة شاذة من البشر لم يضع لها علماء الصحة النفسية توصيفاً دقيقاً حتى الآن. غير ان هناك تحليلاً نفسياً رائعاً لشخصية ارييل شارون قدمه الصحفي السوفييتي (ميلورستوروا) ونشرته صحيفة (الازفستيا) السوفييتية التي يعمل ذلك الصحفي نائباً لرئيس تحريرها. ونقلته عنها آنذاك صحيفة (صوت العرب) القاهرية الناصرية في عددها التاسع والستين (29 نوفمبر 1987). ويحلل ميلور شخصية شارون، قبل غزو لبنان ايضاً، فيقول: «كل صباح يدخل شارون الى مكتبه ويبدأ (يوم العمل) بشطب بعض الاسماء من قائمة معلقة على الجدار وخلف مكتبه الضخم، كانت القائمة تضم اسماء تسعين (90) فلسطينياً من «المطلوب ابادتهم». وكان شارون يشطب كل صباح اسماء الذين تم اغتيالهم في الليلة الماضية. وعندما انجزت العملية كان الرقم قد تجاوز التسعين بكثير». غير ان الجنرال العجوز ـ المريض نفسياً ـ لم يكن يرغب في انتهاء العملية، ولذلك اصدر اوامره بعزل قطاع غزة محاصراً اكثر من نصف مليون فلسطيني كانوا يقيمون فيه آنذاك. وقاد حملة ترويع غير مسبوقة للمدنيين العزل. وكان القناصة الصهاينة يختبئون بين اشجار البرتقال ويطلقون الرصاص وفقاً لقائمة الجنرال، ولا بأس بالزيادة!! جرت هذه الواقعة في الستينيات. وبها استهل ميلور مقاله المنشور في صحيفة (الازفستيا) ليحلل بعد هذه المقدمة شخصية شارون الدموية التي ورثها عن ابيه بالتأكيد. يقول ميلور: «كان الجنرال شارون يزرع الموت ويحصد الفضائح، وكان زملاؤه يكرهونه. وكان حاييم بارليف يقول عنه (اكيد ان شارون جنرال شجاع. ولكنه ليس انساناً). في حين كان المعجبون به من انصاره يقولون عنه (لقد حقق في غزة مالم يستطع الاميركيون تحقيقه في فيتنام) ويذكر ميلور في معرض الربط بين النزعات الارهابية وحب الدماء في شخصية شارون وبين ما ورثه عن ابيه من حب للعنف والدمار فيقول ميلور: «شارون ورث الارهاب والاجرام عن ابيه. فقد علمه ابوه صموئيل شارون اول درس في القتل. لكن الابن تفوق على ابيه واستكمل تعلم الاجرام على ايدي اجهزة الاستخبارات الاسرائيلية. ولا يمكن مقارنة كل جرائم شارون التي ارتكبها في ساحة القتال، بتلك التي مارسها حين كان حاكماً عسكرياً للاراضي المحتلة. في الضفة وقطاع غزة. فقد ارهب اللاجئين الفلسطينيين واقتلع بيوتهم في حملات ابادة حقيقية». وما يشير اليه ميلور هنا من تعليم شارون القتل على يدي ابيه صموئيل شارون اصبح معروفاً في الكتابات التي تناولت تحليل شخصية هذا الجنرال العجيب فقد قيل انه وهو دون الرابعة عشرة من عمره كان يتنزه مع ابيه في حديقة منزل الاسرة فكان ابوه يدربه على صيد وقتل الحيوانات المنزلية حتى يتشبع بمنظر الدماء وهي تسيل. ولا يؤثر فيه عذاب ألم الموت. وقد ظهر ذلك فيما فعله بالاسرى المصريين الذين وقعوا في يده حين كان قائد فرقة في حرب 1967. فقد كان يأمر الاسرى بحفر خنادق عميقة ثم يأمرهم بالنزول فيها ويطلق عليهم الرشاش بنفسه وهم عاجزون عن الدفاع عن انفسهم. وحقوقهم ـ كأسرى حرب ـ محفوظة بمقتضى القانون الدولي. لكن متى كان الصهاينة يقيمون وزناً للقانون الدولي؟ لقد قال بن جوريون «ان القانون الدولي ما هو الا قصاصة ورق». وقد اكدت ممارسات اسرائيل هذا المعتقد الذين اطلقه بن جوريون سنة 1948. فمنذ ذلك التاريخ وحتى الآن. اصدرت الامم المتحدة ما يقارب 195 قرار ادانة لاسرائيل لم ينفذ منها قرار واحد بسبب الفيتو الاميركي غالباً او بسبب استهانة اسرائيل بها. وحين اوكل الى شارون معاقبة سكان قرية (قبية) في الضفة الغربية لنهر الاردن بشرط الا يتجاوز عدد الضحايا عشرة اشخاص. قامت الفرقة 101 التي يقودها بقتل تسعة وستين شخصاً ودمرت عشرة منازل و 6 مدارس. وكان غالبية القتلى من الاطفال والنساء ووصلت القضية ـ كالعادة ـ الى هيئة الامم المتحدة. وكان ذلك وراء صدور اول قرار ادانة لاسرائيل بسبب شارون!! وفي جميع الحروب التي خاضتها اسرائيل ضد جيرانها او ضد الفلسطينيين كان نجم شارون يسطع في سماء المعركة لا بوصفه (صقراً) من الصقور. بل بوصفه (البلدوزر) كما اطلقت عليه الصحافة اليهودية لما يتميز به قلبه من القسوة. فهو الذي قاد عملية (الثغرة) في الدفرسوار في حرب 1973 وكان في غاية السعادة حين نجح في العبور الى شرق القناة ما اعطى موشي ديان وزير دفاع اسرائيل آنذاك، احساساً بأن المعركة قد انقلبت موازينها لصالح اسرائيل. ولو سمع الرئيس السادات حينذاك نصيحة الفريق سعد الشاذلي رئيس الاركان لتم تدمير الفرقة 101 وشارون نفسه، لكن السادات رفض فكرة الشاذلي لأنها كانت تعني المزيد من الدماء بين القوات المسلحة المصرية. وقد كان اكبر عدد من الشهداء عام 1973 يومي 13 و 14 اكتوبر يوم حدوث هذه الثغرة التي افتعلها شارون في منطقة الدفرسوار التي تفصل الجيشين الثاني والثالث الميدانيين. وعندما عين مناحم بيجين رئيس وزراء اسرائيل، شارون وزيراً للزراعة سأله الصحفيون: ان شارون معروف بحب الدماء فلماذا وضعته في وزارة مهمتها انسانية وهي وزارة الزراعة؟ اجاب بيجين: لأن شارون اذا ما اصبح وزيراً للحربية فلا استبعد ان يقوم بتطويق مقري (مقر رئاسة الوزارة) بالدبابات!! ويعلق ميلور على هذه الاجابة من بيجين فيقول: «ولم يكن بيجين بعيداً عن الحقيقة. فقد كان شارون يريد فعلاً ان يكون ملكاً لاسرائيل. وظلت هذه الاحلام تراوده حتى تولى وزارة الدفاع في اسرائيل خلفاً لـ «وايزمان» الذي استقال منها عام 1980 وعندها وضع شارون خطة لتوطين مليوني يهودي في الضفة الغربية وغزة حتى عام 2000 بهدف القضاء نهائياً على فكرة قيام (دولة عربية فلسطينية) وتحقيقاً لهذا الهدف تواطأ مع اشد المنظمات الصهيونية تطرفاً (جوش ايمونيم). وجاءت الفرصة الذهبية لشارون بعد ذلك حين اختير وزيراً للاسكان مع حكومة الليكود برئاسة نتانياهو 1996. حيث قام ببناء آلاف المستوطنات في كل الاراضي الفلسطينية. غير ان ابعاده عن وزارة الدفاع بعد تورطه في عملية صبرا وشاتيلا عام 1982 لم يؤثر في نفسيته المتعطشة للاجرام وحب سفك الدماء. وكانت فترة وزارة الاستيطان (الاسكان) مجرد هدنة الى ان تمكن من تحقيق حلمه القديم فأصبح «ملكاً» لاسرائيل بدرجة رئيس وزراء منتخب. وها نحن اولاء نرى ما يمارسه ليل نهار من اسوأ انواع التنكيل بالابرياء. الامر الذي تخجل منه الحيوانات. ـ كاتب واكاديمي مصري ـ جامعة سوهاج

طباعة Email
تعليقات

تعليقات