بدون عنوان ـ تكتبها: مريم عبدالله النعيمي

الجمعة 27 رجب 1423 هـ الموافق 4 أكتوبر 2002 تصادفنا ذكرى الاسراء والمعراج، والجرح الغائر يزداد اتساعا وتلوثا، وينذر بتسمم يجهز على القلب وعلى بقايا النبض المنخفض الذي بدأ يتلاشى مختصرا على الجميع وقت الانتظار ليعلن النتيجة بانتصار مدو جديد للاعب الاكبر الذي غدا مهندس النجاح، ومنجز الاهداف الكبرى، التي اصبحت بدورها علامة فارقة على زمن تغير مجراه، وتاريخ بدا متحفزا ليدون في سطوره الاولى للزمن القادم بأن التاريخ المعاصر اصبح تاريخ اليهود، وان الانجازات الكبرى باتت حكرا في هذا الوقت الخانق ـ على الصهاينة، الذين واتتهم الرياح، واحسنوا توظيف الزمن والظروف الدولية والعربية باتجاه تسديد اهداف جديدة ضد المسلمين وضد قضيتهم الاولى. وفي حين لم يكتف العدو بما سجله من انتصارات متوالية اكتفينا نحن باطلاق العبارات التحذيرية والتمترس خلف عبارات الاستياء التي قاتلنا بها فاجدنا القتال، وبارزنا بها فاوصلتنا الى نهاية سوداء ابطالها على الغاية من التناقض في المواقف والرؤى والافكار ولو قلبنا صفحات التاريخ، وسرنا في دروب الزمن الماضي نقرأ سير القوم، واعمالهم، ونستنطق جدهم وحالهم، لظهر لنا ان البون بيننا وبينهم أبعد ما بين الشرق والغرب، والسماء والارض. ففي خطوات ذكية ومتدرجة ولا ينقصها الدهاء ولا الحماس، ووفق استراتيجية عالية الكفاءة بعيدة النظر طويلة النفس، اختطف اليهود زمام المبادرة الاقتصادية والفكرية والاعلامية وتحركوا على كافة الاتجاهات يواصلون العمل ليل نهار، وينشئون تحالفات كبرى مع القوى السياسية والدينية في العالم ليستثمروا تلك العلاقة في انجاز احلامهم القديمة. وقد وقع الاختيار على الولايات المتحدة الدولة الفتية التي خرجت الى الوجود في القرن الخامس عشر وروح التدين التوراتي لايزال يذكي عزم ابنائها على الالتزام بوعود التوراة والحفاظ على وصاياه واحكامه. فقد خرج البروتستانت من اوروبا الى العالم الجديد متمثلا في اميركا وتفاءلوا حينها بان خروجهم هذا كخروج بني اسرائيل ودخولهم الى الارض المقدسة ويعد «بلاكستون» الشخصية البروتستانتية الاكثر بروزا على مسرح العمل السياسي الذي لم يأل جهدا في تقديم الدعم للمشروع اليهودي. وقد حفظ اليهود له الجميل، واخذوا يحتفلون بذكراه في كل عام، وكان قد دعا الى الحركة الصهيونية قبل «هرتزل» بزمن، وذلك في كتابه الذي اسماه «عيسى قادم» حيث ترجم الى اكثر من 48 لغة منها العبرية. وتتلخص دعوته في ضرورة الاستعادة الابدية لارض كنعان ومنحها للتوراتيين. كما استطاع سنة 1891م في ان يجمع موافقة 413 شخصية اميركية من النواب والقضاة والمحامين والنخب ويرفعها الى الرئيس بنيامين هريسون (1889ـ 1893) بغرض تحقيق اهداف اليهود الخبيثة. اما في بريطانيا فقد أسس البروتستانت صندوقا اسموه «صندوق اكتشاف فلسطين» ايام حكم فكتوريا «وادعو القاريء ليتأمل فيما نطرحه منذ عدة ايام من حقائق مرتبطة باتباع المذهب البروتستانتي» وكان رئيس الصندوق هو رئيس اساقفة كانتربري وهو اكبر الاساقفة في بريطانيا مشرفا على ذلك المشروع بغرض اكتشاف ارض الميعاد وحدودها ومعالمها كما وردت في التوراة ثم ظهر بعد ذلك (بلفور) صاحب الوعد المشئوم وتقول عنه ابنة اخته: «انه كان يؤمن ايمانا عميقا بالتوراة، ويقرؤها ويصدق بها حرفيا، وانه نتيجة لايمانه بالتوراة اصدر هذا الوعد». وكان رئيس وزراء بريطانيا في ايامه هو (لويد جورج) الذي شهد على نفسه بانه صهيوني وانه يؤمن بما جاء في التوراة من ضرورة عودة المسيح، وان عودة اليهود مقدمة لعودة المسيح. ولعل شهادة حاييم وايزمان تعد تتويجا عمليا لذلك التناغم في الاداء والتكامل في الادوار الذي بدأ منذ قرون ومازادته الايام الا شدة ومتانة اذ يقول فيها: «ان من الاسباب الرئيسية لفوز اليهود في الحصول على تصريح بلفور من بريطانيا بشأن الوطن القومي اليهودي هو شعور الشعب البريطاني المتأثر بالتوراة». حقا لقد أتت التحالفات المنظمة بين اليهود والقوى السياسية في العالم الغربي ثمارها، فماذا عن تحالفاتنا نحن والى اين اوصلتنا؟!

طباعة Email
تعليقات

تعليقات