استراحة البيان ـ عميان يطاردون أشباحاً ـ يكتبها اليوم: مجدي شندي - البيان

استراحة البيان ـ عميان يطاردون أشباحاً ـ يكتبها اليوم: مجدي شندي

الخميس 26 رجب 1423 هـ الموافق 3 أكتوبر 2002 الخير والشر في العالم أمور نسبية.. كل طرف يتصور ان عدوه هو الشر أو يحاول على الاقل ان يصور للآخرين ذلك، مانديلا مثلا كان شيطانا في نظر نظام كيب تاون العنصري ذات يوم.. وعرفات كان كذلك في نظر المحتل الاسرائيلي، ثم اصبح صديقا، وبعد ان اثبت عدم صلاحيته لهذه الصداقة تحول مرة أخرى إلى عدو.. الصداقة مع اسرائيل مهرها غال الصداقة، عليه ان يقاتل حركات التحرر الفلسطينية، وان يقاتل نفسه ايضاً اذا تمردت عليه.. مطلوب منه وأد احلامه وأمانيه وتطلعات شعبه في تراب التعايش والقبول بالأمر بالواقع. مثل عرفات ومانديلا اصبح بعض الزعماء العرب، هم لا يدرون ماذا يفعلون حتى ترضى عنهم اميركا. والاميركان يتخبطون.. هم اشبه بعميان يطاردون اشباحا، كما صورتهم احدى الفرق المسرحية في مهرجان المسرح التجريبي الاخير.. العرض يشير بسخرية إلى ان المشكلات التي تواجه الانسان العادي في حياته اليومية يمكن حلها جميعا بعد ان تنتهي اميركا من «حرب الارهاب» وتغير عرفات وتضرب العراق. الغريب ان كل الاهداف السابقة اهداف طويلة الامد فحرب الارهاب يمكن أن تستغرق مئتي عام وهي نفس المدة التي استغرقتها الحروب الصليبية، وتغيير عرفات لا يمكن ان يتم بين يوم وليلة، وكذلك ضرب العراق.. فأميركا بامكانها ان تجعل العالم واقفا على الحافة هكذا لأطول فترة ممكنة. هل اصبحت المسائل بسيطة إلى حد ان التخلص من شخص يمكن ان ينقذ العالم من حرب. يذكرني ما يفعله البيت الابيض بالجنرال كتشنر قائد الحملة الانجليزية على السودان في أواخر القرن التاسع عشر فحينما سيق اليه محمود ود أحمد أحد قادة المقاومة في شمال السودان وهو مكبل في اغلال الاسر سأله كتشنر؟. ـ هل أنت الرجل محمود؟ ـ اجاب محمود: أنا كذلك قائد مثلك. ـ استطرد كتشنر في السؤال: لماذا كنت اذن تقتل وتنهب؟. يرى كتشنر ان هذا المقاوم الذي يدافع عن ارضه ضد الغزاة بأنه يقتل وينهب ولا يرى في اعتدائه هو على حرمات الاهل وقتل وتشريد اهلها اي خروج على القيم الانسانية. نفس منطق الولايات المتحدة مع اعدائها من العرب ونفس منطق اسرائيل مع المقاومة الفلسطينية.. ونفس منطق كل مستعمر مع كل مكافح من اجل الحرية. بعد ان ترك منصبه كمساعد لوزير خارجية اميركا لشئون الشرق الاوسط تحدث ادوارد ووكر عن تجربته الشخصية كمدير لسياسة بلاده تجاه المنطقة لصحيفة جيروزاليم بوست. بفظاظة غير مسبوقة وصف ووكر العرب بأن لديهم انفصاما في الشخصية وانهم منافقون بلسانين ومنطقين يقولوا شيئا سرا وعكسه علنا. وخلال جلسة لجنة الشئون الخارجية بمجلس الشيوخ التي عقدت الاسبوع الماضي واستمعت لشهادة كولن باول وزير الخارجية احسست ان هؤلاء الناس هم من علمونا النفاق اذا كنا فعلا منافقين.. فباول يتحدث عن «النظام الذي سننصبه في العراق» ثم يدعى ان التعبير خانه وانه يقصد النظام الذي ستساعد اميركا الشعب العراقي على تنصيبه.. ثم لا يجد الوزير الحصيف مخرجا من سؤال ماذا لو وافق العراق واستجاب لنزع اسلحته بالطريقة التي تراها الامم المتحدة.. هل ستخوض اميركا الحرب ايضاً؟ اذا كان هناك سياسي اميركي لديه استعداد الا يكذب فليقل لنا ما هو هدف بلاده الحقيقي من العدوان على العراق؟ حينما قال بوش انه يريدها حربا صليبية ثم عاد واعتذر صدقنا، فالرجل لا يمكن ان يصل به تفكيره إلى هذا الحد الذي لا يناسب غير القرون الوسطى.. لكن يبدو ان المثل الفرنسي الذي يقول كلما تغير العالم كلما ظل على حاله يصدق على حال بوش وعلى نظرة الغرب تجاه الحضارة العربية والاسلامية. في عام 1982 حينما انتصر الانجليز الغزاة على العرابيين في واقعة التل الكبير هنأ سفير فرنسا في لندن وزير خارجية بريطانيا (رغم تنافس الدولتين على المستعمرات)، ورد الوزير البريطاني وكان وقتها اللورد جرانفيل قائلاً ان واقعة التل الكبير انتصار اوروبي، ولو انهزم الجيش الانجليزي لكان ذلك كارثة على كل الدول التي تحسب حساباً للتعصب الاسلامي. وبدوره هنأ المسيو دي كليرك رئيس وزراء فرنسا السفير البريطاني في باريس قائلاً «ان الانتصار الانجليزي على العرب في مصر يتيح ثمرة طبية لفرنسا في تونس والجزائر». الغرب يرى العرب وربما معهم بقية المسلمين كيانا واحدا والمشكلة اننا لا نرى انفسنا كذلك.. اليوم صدام وغدا عرفات وبعد غد غيرهما.. المطالب الاميركية لا تنتهي وسوء الفهم سيظل حتى ننتصر عليهم وعلى ضعفنا فالقوي وحده هو القادر على توصيل رسالته. يبدو لي احيانا أن الولايات المتحدة بحاجة إلى الاعداء اكثر من حاجتها إلى الاصدقاء.. هي تبحث عنهم وان لم تجدهم تحاول اختراعهم. هذا ليس مجرد تصور خيالي وانما حقيقة تدل عليها قصة مصري يدعى عماد سالم ويعمل مخبرا في مكتب التحقيقات الفيدرالية. عماد هذا كان كل دوره ايقاع اشخاص عرب في حبائل خداع واغواء وتجنيدهم لمؤامرات من نسج خياله. وصل عماد سالم إلى الولايات المتحدة يوم 9 فبراير 1988 وادعى انه كان يعمل في الحرس الخاص للرئيس انور السادات وانه اصيب بجروح يوم اغتياله. حينما وصل إلى هناك كان يحمل تأشيرة عمل كتلك التي تمنح للاختصاصيين الذين تحتاجهم الولايات المتحدة واصبح مواطنا اميركيا بعد مرور ثلاث سنوات ونصف (رغم ان القانون يشترط خمس سنوات) وذلك بتواطؤ من مكتب التحقيقات الفيدرالي. ظهر عماد سالم في الاوساط العربية بالولايات المتحدة عام 90 اثناء محاكمة سيد نصير وكان يبدو من اشد المتحمسين له، كما نجح في الحصول على ثقة المحيطين بالشيخ عمر عبدالرحمن. حاول عماد ان يقنع عددا من المصريين بأهمية تدبير انفجارات ضد اماكن حيوية اميركية.. وعندما فشل توجه إلى السودانيين وقدم نفسه اليهم باعتباره خبير متفجرات وانه يستطيع ارشادهم إلى طرق صنع القنابل.. وبالفعل اقتنع واحد من السودانيين بفكرته واصطحبه إلى ولاية اخرى (حيث كان يقيم في نيويورك) لشراء ما يحتاج اليه صنع قنبلة.. وأخذ يشجعه فاستأجر مكانا آمنا حتى يتم تصنيعها فيه وظل يسجل احاديثه مع من اقتنعوا بأفكاره ويأخذهم إلى بعض المناطق المهمة في نيويورك مثل نفق لينكولن ومبنى الامم المتحدة وكذلك إلى مبنى مكتب التحقيقات الفيدرالي ليوهمهم بامكانية تفجير مباني الاعداء على حد وصفه. كان عماد يتحرك بوازع من الرغبة في المال حيث وعده مكتب التحقيقات بمليون دولار ان هو نجح في مهمته، ويقال انه حصل على المبلغ بعد ان وقع حادث تفجير مركز التجارة العالمي الاول خلال عام 1993 ليحقق للاجهزة الاميركية بعض مآربها. ولو لم تكن اميركا بحاجة دائمة إلى عدو لما كانت قصة عماد سالم وامثاله وهم كثيرون. قيل لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه: صف لنا الدنيا فقال: ما أصف من دار أولها عناء وآخرها فناء، حلالها حساب وحرامها عقاب، من استغنى بها فتن ومن افتقر فيها حزن.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات