خط مباشر ـ ثلاثية فلسطينية! ـ بقلم: أحمد عمرابي

الخميس 26 رجب 1423 هـ الموافق 3 أكتوبر 2002 لم يكن الحصار الذي فرضه الجيش الاسرائيلي على مقر الرئيس عرفات بلا مغزى سياسي عميق. فالقيادة الاسرائيلية على المستوى السياسي الأعلى أرادت فيما يبدو تهيئة الساحة الفلسطينية لبروز قيادة سياسية جديدة تكون بديلا عن عرفات. لكن رد الفعل الشعبي الكاسح على حبس الرئيس أدى الى احباط الحسابات الاسرائيلية من جهة وتراجع الطاقم المرشح للقيادة البديلة من جهة اخرى. والآن وقد خرج الرئيس عرفات من الحصار فإن السؤال الذي يطرح هو: هل نشهد في الأيام المقبلة صراعا فلسطينيا ـ فلسطينيا ثلاثي العناصر ـ أي بين جماعة عرفات ومجموعة «القيادة البديلة» وتجمع فصائل المقاومة الميدانية؟ ان مجموعة «القيادة البديلة» تمثل ظاهرة جديدة في المسرح السياسي الفلسطيني. وحيث انها تتبنى أجندة اسرائيلية أميركية باسم «الاصلاح» فإنها موضع شبهة في نظر الجماهير الفلسطينية. واذ يتزعم هذه المجموعة محمود عباس «أبو مازن» الذي ارتبط اسمه تاريخيا بتدمير اتفاق اوسلو سييء الصيت ـ فإن من ابرز شخصياتها احمد قريع رئيس المجلس التشريعي الفلسطيني ونبيل عمرو.. الوزير الذي استقال من السلطة الفلسطينية ليتفرغ لمعارضة قيادتها باسم «محاربة الفساد» واحلال الديمقراطية. فماذا تريد هذه المجموعة على وجه التحديد؟ ان هدفها ببساطة هو هدف جورج بوش وارييل شارون. وحتى اذا غلبنا حسن الظن فإن مما لا شك فيه ان هؤلاء السياسيين يريدون ان يروا الستار يسدل نهائيا على المقاومة المسلحة. فالنهج الافضل من وجهة نظرهم يتمثل في الوسائل السياسية السلمية بعيدا عن العنف. وفي هذا السياق يقول نبيل عمرو: «ان العالم لا يعترض على اهدافنا وانما يعترض على وسائل بعضنا في العمل لبلوغ الهدف». و«وسائل بعضنا» هي اشارة الى اسلوب العمليات الاستشهادية بوجه خاص والكفاح المسلح بوجه عام. وقد بلغ الأمر باللواء عبدالرزاق اليحيى وزير الداخلية في السلطة الفلسطينية ـ وهو احد اعضاء هذه المجموعة ـ قال ان العنف الذي يجب ان يحظر لا يقتصر على الاسلحة النارية والسلاح الأبيض فحسب بل يشمل حتى استخدام الحجارة! هذه بالضبط هي الاجندة الاسرائيلية الاميركية عندما تتحدث كل من واشنطن وتل أبيب تارة عن «محاربة الارهاب» ـ اي المقاومة الوطنية المسلحة وتارة اخرى عن ضرورة «الاصلاح» في السلطة. ولكي نستبين طبيعة الصراع السياسي الدائر حاليا في الساحة السياسية الفلسطينية يستحسن ان نتوقف لنتساءل: ما معنى «الاصلاح» لدى كل من المجموعات الثلاث المتصارعة من اجل تشكيل المصير الفلسطيني بصورة او اخرى؟ لدى مجموعة «القيادة البديلة» فإن «الاصلاح» يعني تلبية الطلب الاسرائيلي الاميركي الالحاحي بتجريد الرئيس عرفات من سلطته القيادية.. ان لم يكن باقصائه نهائيا فعلى الاقل بتحجيم صلاحياته ليتحول الى مجرد رمز قيادي بينما يصرف السلطة الفعلية رئيس وزراء. «الاصلاح» لدى عرفات وجماعته يعني تبني اجراءات ديمقراطية مثل اجراء انتخابات رئاسية وتشريعية على ألا تتعدى الشكل الديكوري فيظل الرئيس محتفظا بصلاحياته شبه المطلقة ممسكا بكل خيوط السلطة. اما قيادات فصائل المقاومة ـ فتح وحماس والجهاد والشعبية والديمقراطية ـ فترى في «الاصلاح» تغييرا شاملا وجذريا في البنية البشرية والهيكلية للسلطة الفلسطينية يتضمن اقصاء جميع العناصر الواهنة سياسيا والفاسدة ماليا. ولهذا فإن هذه القيادات الراديكالية تضع نفسها في موضع معارضة لكلا المجموعتين الاخريين.. لكنها مع ذلك تحرص على امرين: اولا: تفادي الصدام العنفي المباشر قدر الامكان حتى لا تنصرف المقاومة عن واجبها الاساسي في التصدي للقوة الاحتلالية الاسرائيلية.. وثانيا تأييد الرئيس عرفات مرحليا باعتبار ان تقلباته السياسية لن تصل الى حد الخيانة. ولنقلب العملة على وجهها الآخر، فالادارة الاميركية والادارة الشارونية تريان في جماعة عرفات وفصائل المقاومة عدوا صريحا، وان بدرجتين متفاوتتين يجب ان يحارب بكل الوسائل المتاحة. ففصائل المقاومة تمارس «الارهاب».. وعرفات لا يبذل اقصى الجهد لمحاربتها. تبقى اذن مجموعة «القيادة البديلة» هي الطرف الذي باتت الادارتان الاميركية والاسرائيلية تراهنان عليه. ووفقا للسيناريو الموضوع فإن هذه المجموعة تسعى سعيا حثيثا بدعم اسرائيلي وأميركي لوضع يدها على السلطة ـ جزئيا ان لم يكن كليا ـ لتستحوذ على قدر من النفوذ السلطوي السياسي يجعلها في موقف جديد يمكنها من التعامل مع اسرائيل والولايات المتحدة باسم الشعب الفلسطيني. ومن ثم يتم توقيع تسوية نهائية للصراع الاسرائيلي الفلسطيني بالشروط الاسرائيلية. لكن ما لم يأخذه السيناريو الاسرائيلي الاميركي في الحساب هو ان جيل السلطة الفلسطينية بما في ذلك مجموعة «القيادة البديلة» ظاهرة في حالة انقراض بينما جيل فصائل المقاومة ظاهرة في حالة صعود.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات