استراحة البيان ـ تأمّل معي ـ يكتبها اليوم: سالم الزمر

الاربعاء 25 رجب 1423 هـ الموافق 2 أكتوبر 2002 (1) _ تأمل معي تلك الشجرة الكبيرة على ذلك الرصيف الذي وضعه راصفوه على جانب الطريق يدوسه المارة كل يوم. انظر إليها بل إلى ظلها الممدود على ذلك الرصيف وعلى كل مارٍ به من غير تمييز، فهل فكرت يوماً ماذا لو كان للرصيف وللشجرة إرادة في قبول وامتناع، هل يا ترى سيجد كل الناس رصيفاً يسيرون عليه وظلاً يستظلون به؟ ماذا لو كان للارصفة اشكال وألوان وأمزجة كالبشر منهم الظالم والعصبي لعلك لن تجد طريقاً استقر رصيفه ولا شجرا يمد ظلاله على البشر. وماذا لو كان للشجر والارصفة احساس معنوي كأحاسيس الناس وانفعالاتهم، أترى تمد الشجرة ظلها على رجل بغير حاجة قطع لها غصناً وهل ترى يغفر الرصيف لرجل قليل الذوق داس على ذلك الرصيف يوماً؟. وما أدراك لعل لتلك الأشجار والأرصفة أحاسيس لكنها لا أفعال لها وذلك برحمة من الخالق بنا لعلمه بتعدي البشر على ما لا حراك له من الأشياء وإلا لانقلبت الدنيا رأساً على عقب لو كان للاشياء والمخلوقات ردود افعال على افعال الناس. (2) تأمل معي فرقاً واحداً فقط هو أحقر الفروقات بين خلق الخالق العظيم وبين صنع الناس أو مصنوعاتهم. أعني الفرق بين مخلفات مخلوقات الرحمن الحية ومخلفات ما ينتج عن صنع الانسان من نفايات، فلو حققت لوجدت ان كل مخلفات المخلوقات من الانسان إلى النبات نافع لبعضها البعض، فمخلفات الحيوان والانسان مفيدة للنبات وبقايا النبات مفيدة للحشرات، والحشرات وبقاياها مفيدة للنبات وهكذا، فلا دخان ضار ولا سوائل سامة ولا عوادم خانقة ولا مواد غير متحللة كما هو حادث وحاصل من مخلفات صنع الانسان. فإذا كان هذا هو اقل امر وأهون فرقٍ فما بالك بالفروق الواضحة العظيمة كالعقل والحس والعطاء المحض. (3) تأمل معي كل أمم العالم الحاضرة والماضية بكل حضاراتها هل سمعت عن أمة بنت حضارتها وهي بكماء لا تتكلم بل تفعل فقط ؟وهل سمعت عن أمة تفعل قبل ان تتكلم؟ اظن الجواب هو النفي حتماً. فما بالنا نعيب انفسنا نحن العرب والمسلمين بأننا امة كلام، في الحقيقة ان جميع الامم امة كلام، فالكلمة هي الفعل الاول، ورب فعل لم يتعد ان يكون كلمة بل ان اعظم الافعال عند الرحمن في دين الاسلام هي الكلمة، كلمة التوحيد اعني والتي بها يدخل الانسان المسلم الجنة او يدخل النار. فالمسألة ليست اننا امة كلام. فكل الامم هي من امم الكلام الا الحيوانات والجمادات. لكن المسألة هي ان اكثرنا داخل في الذين سماهم كتاب الرحمن «الذين يقولون ما لا يفعلون» لذلك فلا يخجلن احد ان يكون صاحب كلام فرب كلمات هي انفع للناس من افعال تزول في وقتها وساعتها بانتهاء الحاجة اليها، ورب كلمة يدوم اثرها إلى ما لا نهاية فتكون مبعث كل فعل مفيد. (4) تأمل معي هذا الحديث الشريف الذي أنقل معناه عن رسول الامة عليه أفضل الصلاة والسلام حين سئل هل يكون المؤمن بخيلاً قال نعم، قيل هل يكون المؤمن جباناً قال نعم، قيل هل يكون المؤمن كذاباً قال لا. وفي هذا الحديث اشارة مهمة إلى اهمية الكلمة في المجتمعات وضرورة ان تكون الكلمة صادقة برغم انها في الظاهر لا قيمة لها كقيمة المال عند البخيل والحياة عند الجبان. لذلك كان مقبولا عند الرحمن ورسوله الكريم ان يكون المؤمن بخيلاً وجباناً لأن البخل والجبن اختياران وامتناعان عن فعلين حميدين قد لا يضر الامتناع عنهما المجتمع كله وهما الشجاعة والكرم لان البخيل او الجبان انما يفضح نفسه ويعيبها عيباً مكشوفاً ظاهراً لا ينخدع به احد، اما الكذب فأمر يخدع به الكذاب المجتمع كله وبالتالي هو يطعن المجتمع في صميم ثقته بأفراده فإذا كان ذلك انهار المجتمع، فالمجتمع الذي لا ثقة في افراده مجتمع لا ثقة فيه وبالتالي هو مجتمع زائف قائم على الزيف والخداع فهو اذن ليس بمجتمع المؤمنين ولا يصح ان يكون المؤمن كذابا لان مجتمع المؤمنين لا كذب ولا خداع فيه. حتى وإن كان يدعي الاسلام والايمان. (5) تأمل معي الزمان الذي مضى وقل: قبل هذا الرخاء كان النخيل ولنا فيه رقدة ومقيل والأماسيّ والعيون السهارى في مداها عرائس لا تزول كان للبحر وشمه في أكف ظامئات وليس يروى الغليل كان للبيد وحشة تتمادى ليس لأمن في الصحارى دليل كان ما كان رحلة ليس ترجى وذهاباً إلى المدى كم يطول كيف كنا ولا تسل كيف كنا كان عهد اليه يضني الرحيل كان فقر على الثرى يتمطى وزمان على الكرام بخيل كان شح من الزمان ولكن كان للأنفس الكرام سبيل كان لله في النفوس سماء تحتها يخفق الفؤاد العليل

تعليقات

تعليقات