الانتفاضة تحول مفصلي في النضال الفلسطيني الحديث ـ بقلم: رياض أبو ملحم

الاربعاء 25 رجب 1423 هـ الموافق 2 أكتوبر 2002 يجمع المحللون على ان الانتفاضة الفلسطينية الثانية، او «انتفاضة الاقصى» كما اطلق عليها في الثامن والعشرين من سبتمبر 2000، شكلت تحولاً مفصلياً في تاريخ النضال الوطني الفلسطيني الحديث، وذلك نظراً للتأثيرات المهمة التي احدثتها ايجاباً وسلباً، داخل المجتمعين الفلسطيني والاسرائيلي وفي العالم كله. واذا كانت حكومة شارون اليمينية المتطرفة تؤكد يومياً اصرارها على منع الانتفاضة من تحقيق اي من اهدافها المعلنة، وهي التخلص من الاحتلال واقامة دولة فلسطينية مستقلة ـ وقد نجحت في ذلك فعلاً ـ فإن القوى الفلسطينية الفاعلة داخل السلطة الوطنية وخارجها، مطالبة في الذكرى الثانية للانتفاضة باجراء مراجعة شاملة لمسيرة السنتين الماضيتين، من دون تردد ومن البديهي ان يحدث ذلك في ضوء النتائج الراهنة وارتباطها بالتطورات الاقليمية والدولية من جهة، وحتى لا يفقد الشعب الفلسطيني القدرة على تطوير وسائله النضالية في مواجهة الآلة العسكرية الاسرائيلية المتفوقة، من جهة ثانية. بادئ ذي بدء، لابد من الاجابة على سؤال يتردد باستمرار حول ما اذا كان الفلسطينيون اخطأوا في لجوئهم الى خيار الانتفاضة لتنفيذ مطالبهم، في الوقت الذي بدت سلطتهم الوطنية قريبة جداً من تحقيق تسوية سلمية مع الجانب الاسرائيلي استناداً الى اتفاقات اوسلو او خارج نصوصها وبغض النظر عن الدور الذي لعبته زيارة ارييل شارون الاستفزازية الى باحة المسجد الاقصى في تفجير الانتفاض، فإن كلاماً كثيراً قيل حتى الآن حول مدى التقدم الذي تم احرازه في المفاوضات الفلسطينية ـ الاسرائيلية في كامب ديفيد، ثم في مدينة طابا المصرية، حيث كان الرئيس الاميركي السابق بيل كلينتون المحرك الرئيسي لهذه المفاوضات، يستعد لمغادرة البيت الابيض. وكما بات معروفاً من خلال التقارير الصحفية والوثائقية التي نشرت عن ملابسات ودقائق تلك المرحلة الحاسمة من مفاوضات الجانين والدور الاميركي فيها، فإن ثغرات رئيسية في الاقتراحات الاسرائيلية والأميركية حالت دون موافقة الجانب الفلسطيني عليها، وبعد ذلك جاءت عملية التغيير الحكومي في اسرائيل ثم مجيء ادارة اميركية جديدة مختلفة في توجهاتها وحساباتها عن الادارة السابقة، لتطوي صفحة التسوية السلمية ولتنقل العلاقات بين الطرفين من اطار الحوار السياسي، الى اطار المواجهة التصادمية العنيفة. من الطبيعي القول ان الانتفاضة الفلسطينية انفجرت قبل وصول ارييل شارون الى السلطة بعدة اشهر، وبالتالي لم يكن هو بالذات هدف التحرك الفلسطيني، وان تكن زيارته لباحة المسجد الاقصى تسببت في انطلاق شرارتها الاولى وهذا يؤكد ما ذهب اليه العديد من المحللين من ان اسلوب المماطلة والتمييع والقفز فوق الجدول الزمني للانسحابات الاسرائيلية المقررة، الذي لجأ اليه ايهود باراك وظل يعتمده حتى اللحظات الاخيرة من وجوده في رئاسة الحكومة، كان تسبب في خلق انطباع مبكر لدى الفلسطينيين بأن الرجل غير جاد بالنسبة لتنفيذ الاتفاقات السابقة، وبالتالي لا يمكن الوثوق فيه اذا ما تم الارتباط معه باتفاقات بديلة تحل مكان سابقاتها، اذ ستكون النتيجة التخلي عن الاتفاقات القديمة، وفي الوقت نفسه عدم تنفيذ الاتفاقات الجديدة وبذلك يكون الجانب الفلسطيني الخاسر في الحالتين. أحاديث «الفرص الضائعة» لقد قيل بعد اعلان فشل مفاوضات كامب ديفيد ان السلطة الفلسطينية اضاعت فرصة تاريخية بعدم قبول ما وصفته المصادر الاميركية والاسرائيلية بـ «العرض السخي» الذي قدمه ايهود باراك الى ياسر عرفات لكن سرعان ما تبين ان العرض الاسرائيلي لم يكن سخياً ابداً، بل انه لم يكن ثمة عرض متكامل لتسوية شاملة على الاطلاق، وانما مجرد افكار واقتراحات مبعثرة، من هنا وهناك، هي اقرب الى بالونات الاختبار منها الى صيغ العروض الجدية التي كان ينتظرها الفلسطينيون. واذا كانت هذه نقطة رئيسية تسجل لمصلحة الفلسطينيين، بما يؤكد شرعية وعدالة تحركهم الجماهيري في مواجهة تحلل الاسرائيليين من التزاماتهم الرسمية والمبدئية، الا ان التصعيد المتواصل في ايقاع الانتفاضة الشعبية ووسائلها المستخدمة اخرجها عن طبيعتها الاعتراضية وساعد في عسكرتها وهو ما سمح للجيش الاسرائيلي باستخدام آلته العسكرية الضخمة محدثاً خسائر فادحة بين المدنيين الفلسطينيين وفي البنية التحتية الفلسطينية. وقد كشفت تقارير اسرائيلية، نشرت لاحقاً، ان الجيش الاسرائيلي تعمد التصعيد في مواجهة الاحتجاجات الشعبية بهدف استدراج الفصائل الفلسطينية لاستخدام السلاح، اما دفاعاً عن النفس او بقصد انزال خسائر مماثلة في الجانب الاسرائيلي، وهو ما سيمكن القوات الاسرائيلية من رفع مستوى العنف الى الحد الذي تؤكد فيه تفوقها وان كان ذلك كله لن يحسم المواجهة لمصلحتها برغم قدرتها على احداث خسائر اكبر في الجانب الفلسطيني بشرياً ومادياً، كما دلت مواجهات الاشهر الاخيرة. على ان وتيرة التصعيد زادت كثيراً في الاراضي الفلسطينية المحتلة بعد اعتداءات الحادي عشر من سبتمبر في الولايات المتحدة، فقد سارع ارييل شارون الى استغلال هذا الحدث الاستثنائي ليجعل من نفسه شريكاً للادارة الاميركية في مكافحة ما وصفه بـ «الارهاب الفلسطيني» وتنفيذاً لذلك شن حملات عسكرية ضارية على المناطق الفلسطينية ارتدت طابع التدمير الشامل الامر الذي حمل منظمات المقاومة الفلسطينية على الرد بتصعيد العمليات الاستشهادية داخل الخط الاخضر، فضلاً عن استهداف المستوطنين الاسرائيليين، سواء داخل مستوطناتهم المحصنة او خلال عبورهم اليها. وفي الوقت الذي دأب الرئيس الاميركي جورج بوش على التنديد بالعمليات الاستشهادية الفلسطينية وبكل اعمال مقاومة الاحتلال الاسرائيلي، حاول اضفاء نوع من الشرعية على عمليات القتل والتدمير الاسرائيلية معتبراً اياها دفاعاً عن النفس. وقد ظل الموقف يتطور نحو الاسوأ الى ان بلغ مرحلة فرض حصار كامل على الشعب الفلسطيني كله وعلى سلطته الوطنية، وثمة مخاوف حقيقية الآن من ان يستغل الجيش الاسرائيلي الغزو الاميركي المتوقع على العراق لتنفيذ خطة شارون القديمة بترحيل مئات الآلاف من الفلسطينيين الى الاردن، او الى العراق اذا تمكن الاميركيون من السيطرة على الوضع في هذا البلد وجعلوه تحت هيمنتهم الكاملة. تساؤلات حول المستقبل ماذا يفعل الشعب الفلسطيني حيال الضغوط الشديدة التي يتعرض لها الآن؟ وهل ما زالت انتفاضته قادرة على ان تولد حالة ايجابية يمكن ان تساعد في اخراجه من مأزقه الراهن؟ حتى وان بدا خطر غزو العراق داهماً بالنسبة للفلسطينيين، فإن استسلامهم امام الضغط الاسرائيلي ليس وارداً، كما قواهم السياسية، وكما يعبرون يومياً بتظاهراتهم المتواصلة وبتمردهم على قرارات منع التجول المطبقة في مناطقهم المحتلة.. ان هذه المظاهر العفوية التي برزت خلال الايام الاخيرة قد تكون في حد ذاتها، الخيار الانسب لاعادة الانتفاضة الشعبية الى منطلقاتها الاولى حيث يتصدى اطفال الحجارة لدبابات شارون وجنوده المدججين بالسلاح فالانتفاضة لابد ان تستمر، ولكن بالوسائل التي تمكنها من تغيير صورتها امام الرأي العام العالمي، ومن احداث تحول لدى الرأي العام الاسرائيلي يتجدد فيه الحوار السياسي مع قوى السلام الاسرائيلية، وتتجدد التساؤلات الهادئة والقلقة داخل اسرائيل حول المدى الذي يمكن ان تذهب اليه حكومة شارون في لعبة الدم، التي لا تجيد سواها، اياً تكن الذرائع التي تختبئ خلفها. ومع ان كثيرين يرون الآن هذا الطريق هو الذي قد يسمح بالخروج من حالة الحصار الراهنة، دون التخلي عن خيار الانتفاضة وتأثيراتها الايجابية المحتملة، لكن ذلك متعذرا من دون توافق القوى السياسية الفلسطينية الرئيسية على خطة عمل مرحلية تتخلى فيها عن استهداف المدنيين الاسرائيليين كوسيلة ضغط على الطرف الآخر، مع اعادة النظر في الكثير من اساليبها التكتيكية السابقة. فحكومة شارون تستمد قوتها ورصيدها من هذه اللعبة الدموية. وقد ثبت ان الوسائل التي تمتلكها، باعتبارها قوة احتلال مسيطرة تماما، تجعلها اكثر قدرة على التأثير في نتائجها، مستفيدة من التغطية الاميركية ومن العجز الكامل على المستويين العربي والدولي. ان مقاومة الاحتلال الاسرائيلي لابد ان تتواصل، ولعل الانتفاضة الشعبية الاعتراضية، التي تشكل ضغطاً مستمراً على الاقتصاد الاسرائيلي الذي يعاني من مصاعب كبيرة، هي احدى الوسائل المتاحة لدى الشعب الفلسطيني، برغم الاغراء الذي قد تشكله وسائل المواجهة الاخرى في بعض الاحيان. وفي غياب الانتفاضة سيتحول السكون الفلسطيني الى نوع من الاستسلام، وهو ما سيشجع شارون على تنفيذ المرحلة الثانية من خطته المعروفة والرامية الى اعادة احتلال الضفة الغربية بصفة نهائية وجعلها جزءا من دولة اسرائيل، بعد تهجير الفلسطينيين الى قطاع غزة أولا، ومن ثم الى خارج فلسطين التاريخية كلها. ـ كاتب لبناني مقيم في باريس

تعليقات

تعليقات