خط مباشر ـ سؤال مهموس! ـ بقلم: أحمد عمرابي

الثلاثاء 24 رجب 1423 هـ الموافق 1 أكتوبر 2002 كانت مصادفة مبهرة جعلت من يوم السبت الماضي مناسبة تاريخية فخلال هذا اليوم خرجت مظاهرات عارمة في كل من سيدني وروما ولندن ودنفر «عاصمة ولاية كولورادو الاميركية» كلها تردد شعارات تضامن مع العراق وشعارات اخرى تنعت جورج بوش وتوني بلير بأنهما مجرما حرب. لم يكن هناك ترتيب مسبق بين منظمي هذه المظاهرات المتوزعة على ارجاء الكرة الارضية ـ نصفها الشرقي ونصفها الغربي ووسطها ـ لتخرج كلاها الى الشارع خلال يوم واحد معين، هكذا تصادف ان كل فريق من المنظمين ـ الذي لا تربط بين فرقهم روابط ايديولوجية او نقابية ـ رأي ان تطورات الاحداث المتعلقة بالعراق بلغت حدا يتطلب تعبيرا احتجاجيا على المستوى الشعبي. لكن هذا يبعث على تساؤل: ألم تدرك القطاعات الجماهيرية في العالم العربي مغزى هذه التطورات المتصلة بمصير شعب عربي شقيق كما ادركتها قطاعات جماهيرية اجنبية تبعد عن العالم العربي جغرافيا بآلاف الاميال؟ بكلمات اخرى: لماذا لا يخرج الناس في العالم العربي في مظاهرات قوية؟ وصفة «القوة» في هذا السياق ليس معناها العنف وانما المقصود هو القوة السياسية المعنوية ذات الطابع التعبيري السلمي. وأستدرك من ناحية مضادة لاقول ليس المقصود ايضا هو تلك المظاهرات المدجنة والملجمة التي تنظمها السلطة بطريقة «بروتوكولية». ربما يقال ان الاجابة عن السؤال المطروح معلومة للجميع، فالناس في العالم العربي يعزفون او يترددون في تنظيم مظاهرات قوية، حتى لو كانت سلمية لان السلطات الامنية ـ ببساطة ـ تحظر ذلك. وتقمع المظاهرة اذا خرجت فعلا وتعتقل منظميها. هل السؤال المطروح يدخل اذن في باب ان الاسئلة البديهية لا تستولد إلا اجابات بديهية؟ اعتقد ان المسألة اعمق، فاذا كانت الاجابة هي ان الناس في العالم العربي يخافون من الاجهزة الامنية فإنها ـ أي الاجابة ـ تولد على الفور سؤالاً جديداً: لماذا الخوف؟ أولا.. انه ليس خوفا من العناصر الامنية المعنية العاملة في وظائف ثابتة بقدر ما هو خوف المواطن العادي في العالم العربي من الزميل في مكان العمل أو الجار في الحي السكني او حتى اي شخص آخر يصادف ان يكون جالسا الى جوارك في مركبة عامة. اذ يمكن الافتراض بأن نصف المجتمع يتجسس على النصف الآخر بغض النظر عن كفاءة الاجهزة الامنية وكوادرها الثابتة. وللانصاف يجب ان نستدرك لنقول ان هذه الظاهرة ليست قاصرة على العالم العربي بل هي تنتظم المجتمعات قاطبة في بلدان العالم الثالث.. ولذلك يمكن القول انها دليل تخلف حضاري واسع النطاق وعميق الجذور. وبالتالي لن تتحرر هذه المجتمعات من القمع الامني الرسمي قبل ان يتحرر الناس من انفسهم أولاً. يقول خبراء الاستراتيجيات الامنية ان النظرية الامنية لن تحقق نجاحاً كاملا او شبه كامل على صعيد التطبيق العملي إلا بتعاون من نصف المجتمع على الاقل، فإذا رفض مجتمع ما التعاون مع الجهاز الامني الداخلي فإن هذا الجهاز سوف يدخل حتما عدا تنازليا ينتهي به الى الانهيار او الشلل، فرأسمال اي جهاز أمني هو المعلومات الصحيحة الدقيقة التي تستقى من افراد في المجتمع بشأن افراد آخرين وبناء على هذه المعلومات ترتسم وتنفذ الاجراءات المضادة. رغم ذلك فإن النظرية الامنية العالمية لا تأتي بجديد.. لانها ترتكز الى عاملي الرغبة والرهبة او الطمع والخوف الملازمين للطبيعة البشرية. فاذا اراد جهاز امني استقطاب شخص ما للتعاون فإنه يعرض عليه أولا احدى مغريات الطمع ـ المال والمنصب والملذات الحسية.. فإن لم يستجب الشخص فإنه يتلقى تهديدا جاداً من نوع ما بما في ذلك الاغتيال البدني او الاغتيال المعنوي. ولذا تبلغ النظرية الامنية كمال نجاحها التطبيقي في مجتمع ما عندما ينجح الجهاز الامني في استقطاب نصف المجتمع بوسائل اثارة الطمع او الخوف للتجسس على النصف الآخر.. فيعم الخوف الجميع. لكن هناك وجهاً آخر لعزوف شعوب العالم العربي عن التعبير الجماهيري الاحتجاجي ومن ضمنه اسلوب التظاهر.. وهو هبوط مستوى الوعي السياسي. ومن مظاهر هذا الهبوط تغليب الهموم الذاتية الصغيرة لدى الفرد على الهموم الكبيرة التي تمثلها القضايا الوطنية والقومية بسبب عدم القدرة الذهنية على ربط هذه بتلك. ولنتساءل: لماذا يكلف مواطن بريطاني او استرالي أو ايطالي او اميركي نفسه المشاركة بحماسة في مظاهرة لصالح العراق وضد الولايات المتحدة ـ أو بالاحرى ضد الادارة الاميركية؟ لانه بات يدرك ان قضايا الظلم والطاغوت والحرية في العالم مرتبطة ببعضها البعض عضوياً. وربما يتعين علينا في الوطن العربي الانتظار لحين نضوج الجيل الجديد الذي يتشكل وعيه الجماعي والفردي حاليا في عصر ثورة المعلومات وثورة الاتصالات فيتحرر بالتالي من اسطورة الخلاص الذاتي.

تعليقات

تعليقات