لبنان: بلد بثلاثة ملايين ونصف سياسي ـ بقلم: د. محمد الرميحي

الثلاثاء 24 رجب 1423 هـ الموافق 1 أكتوبر 2002 في مساء يوم خريفي جميل وفي ساحة النجمة وسط بيروت التي يعج مساؤها بالمتسكعين غادين ورائحين في الغالب يتفرج بعضهم على بعض، أو ينتثرون في مقاهي الرصيف، مستمتعين رجالاً ونساء نافثات الارجيلة ودخان السيجار، جمعتني جلسة مع اشهر عازب في لبنان الذي يناديه أصدقاؤه بالبيك، وهو لمن لا يعرفه الأستاذ منح الصلح، ابن لعائلة سياسية عربية بيروتية، أصابها ما أصاب العروبة من نجاح وفشل، والجلسة مع البيك ممتعة لان بها من الذكريات الكثير ومن العبر القليل كما يقول، إلا أنها متقطعة، فلا عابر سبيل أو نادل إلا وسلم على البيك، بل أن بعضهم استأذن للجلوس قليلا حيث أراد أن يؤكد معلومة أو ينفي خبراً، أو ينشر إشاعة ساخنة. قلت للبيك لماذا كل هذا الهجوم في الصحف اللبنانية هذه الأيام على العماد ميشيل عون، فقد استنفرت الدولة كل الأجهزة ضده، وقد وجدته بعد أن استمعت إليه يتحدث لمحطة الجزيرة التلفزيونية في الأسبوع قبل الماضي انه عصبي يطرق بيده على الطاولة إذا لم يعجبه ما يقال وكان أيلي الفرزلي نائب رئيس البرلمان اللبناني الذي تحدث مناقضا لرؤيا العماد أكثر هدوءاً فلفت الأنظار لمقولاته، فالعصبية تفقد السياسي نصف منطقه، ولو تُرك هذا المعارض الذي يؤيده البعض في لبنان ويناصب أفكاره البعض الآخر العداء لحاله، لما أصبح ذا قيمة سياسية كبيرة، في بلد مثل لبنان من المفروض أن يكون تعددياً يتمتع بسقف حريات عامة مريح نسبيا فلماذا، هذه الملاحقة التي هي في رأى بعض المتابعين تجلب متعاطفين وتجند أنصاراً، أكثر مما تنفر من عون والعونية؟ التناقضات والثنائيات لم يكن البيك في وارد التعليق على كل ذلك بعد أن استمع إلى بصبر قال: ألا تعرف أن في لبنان ثلاثة ملايين ونصف مليون سياسي!، ثم أردف ببرود شديد، الم تقرأ افتتاحية جريدة النهار اليوم، لقد نشرت الجريدة في افتتاحيتها أن السياسة في لبنان هي (غياب الأرب ومنتهى الطرب)! بالتأكيد كلام له معنى. في البداية احترت في فهم الجواب، هل هو مفحم وملئ بالخبرة الطويلة، أم هو تورية لان بعض اللبنانيين في فمهم ماء أكثر مما يتدفق في نهر الوزاني! البيك الذي عرفه القراء العرب مما كتب في الصحف والمجلات العديدة، ومما حاضر مدافعا عن عروبة لبنان وعن استقلاله في منابر شتى، يعرف لبنان كما يعرف هموم بقية الدول العربية، هو وريث شرعي للصلحية أو آل الصلح، وهي مدرسة في السياسية اللبنانية استمدت مرجعيتها عندما وفق جدهم الكبير بين مسلمي ومسيحي لبنان كي يصبح لبنان كما هو عليه اليوم، وطن مبني على تناقضانه، ثنائياته تتوالد، ودون هذه التناقضات والثنائيات لا يبقي لبنان كما نعرفه، لبنان الكتائب ولبنان حزب الله، لبنان الذي يختلف العرب في كل شيء على أن يتفقوا عليه. غياب الأرب ومنتهى الطرب يلخص الحياة السياسية في لبنان، ففي الوقت الذي يتفق معظم اللبنانيون على شعار هو لبنان أولا ولبنان أخيرا، إلا أن مواصفات (لبنان) المطلوب مختلف عليها، فرغم أن كل الأرقام التي يقرؤها المتابع عن ديون لبنان الخارجية وعن وضعه الاقتصادي تقود إلى الاستنتاج على اقل تقدير انه وضع اقتصادي صعب يبعث الرجفة والخوف من المستقبل، إلا أن لبنان يتعافى، ومظهر تعافيه أن سعر الصرف لليرة اللبنانية ظل كما هو منذ سنوات، وربما لا سر خفياً في هذا التعافي، فهو كامن في ما يمكن أن يطلق عليه الروح اللبنانية، هذه الروح التي هيأت رغم كل العقبات أن يكون لبنان في الأشهر القليلة الماضية محطة للسياح العرب، خاصة من أهل الخليج، الذين وجدوا فيه ملاذا أفضل من الوقوف طويلا أمام باب السفارات الغربية انتظارا لتأشيرة دخول لا تنهي عذابهم، فهم بعدها يقفون على الحدود أو في المطارات في كثير من الدول الغربية مشكوك فيهم ومتهمون بمجرد أنهم يحملون سمة شرقية، إلا أن لبنان لا يخلو من طرافه مفزعة، فقد كان احد أعضاء غزوة منهاتن لبنانيا، كما سوف يسجل في التاريخ العربي المعاصر اسم تلك الكارثة، فهذه (الغزوة) ضمت من ضمن ما ضمت من انتحاريين، مواطن لبناني هو زياد سمير الجراح الذي أسقطت طائرته فوق منطقة بنسلفانيا، وقيل أنها كانت قاصدة للبيت الأبيض أو مجلس الشيوخ، والطريف أن احدهم وهو لبناني أيضا ظهر على التلفزيون اللبناني أخيرا، واسمه بالضبط زياد سمير الجراح، يشكو مر الشكوى من تشابه الأسماء، ويتحسر من أن أوراقه قد رفضت أكثر من مرة في محاولته للحصول على تأشيرة دخول لأكثر من بلد عربي، لان اسمه الثلاثي يتطابق مع اسم احد أعضاء غزوة منهاتن! وهل في غير لبنان تجد مثل هذا التناقض الصارخ، وهل في غير ارض العرب تجد أناساً لا تفرق بين زياد المتوفى في ظروف كارثية، وزياد الذي يبحث عن لقمة العيش الشريفة، يا لها من مفارقة مبكية مضحكة! من جملة التناقض اللبناني أن كثيرا من أبناء الطبقة المتوسطة في لبنان وخاصة المسيحيين منهم ينشدون الهجرة إلى الخارج، كي يجدوا مكانا لهم تحت الشمس، في نفس الوقت الذي نجد أن لبنان من بين الدول العربية القليلة التي تؤهل أبناءها للحياة الحديثة، فقد قال لي احد رجال الأعمال العرب في دولة عربية كبيرة انه يستخدم أكثر ما يستخدم من موظفين في شركاته مواطنين من الأردن ولبنان، وهو تعبير محق، حيث تحقق في البلدين تعليم حديث ومتطور يستطيع أن يفرز يد عاملة معقولة التدريب تستطيع أن تحقق ما يتطلبه العمل الحديث من مهارات. الاستقرار والاستنفار ولا يقف التناقض في لبنان إلى هنا، فلبنان أيضا بين نارين في وضع الشرق الأوسط الدقيق، بين أن يلعب دور هانوي في رفد المقاومة الفلسطينية واللبنانية في الجنوب، وبين دور هونكونج في فتح أبوابه مشرعة لاستثمار عالمي مطلوب بالحاح، الأخير يتطلب استقراراً والأول يحتم استنفارا، وبين الفكرتين الاستقرار والاستنفار تتراوح السياسة المعلنة والسياسة المطبقة، ومن يعرف الجغرافيا يعرف أيضا أن اقرب مدينة من مدن الشام لمدينة دمشق هي مدينة بيروت، فهي اقرب من حمص أو حماة أو أية مدينة سورية أخرى، هذا القرب الذي تكرس في شكل سياسي في العقدين الآخرين، له من التناقض اللبناني نصيب، من تأييد ومن معارضة إلى درجة أن هناك من يرى أنه حتى ارتفاع عدد حوادث السيارات في شوارع لبنان ربما لدمشق يد فيها، كما يرى آخرون أن استقلال لبنان يتوقف على دمشق، وهما نظرتان متناقضتان، مثل معظم الأشياء في لبنان. في خضم هذه الثنائية اللبنانية ما زال السياسيون اللبنانيون يقدحون لبعضهم، ولقد تجلى هذا القدح ليس فقط في متابعة العماد ميشيل عون امنيا، بل امتد ذلك كي يصل إلى فتح ملفات من المفروض أنها أغلقت، ومن أهمها صفقة طائرات الهيلوكبتر المتهم فيها الرئيس السابق أمين الجميل، كما أن ملفا مثل ملف الاعلام الذي يشتكي منه السياسيون ويتحينون الفرص ويبحثون عن الذرائع للجمه،و قد وضع على نار حامية، ويسير هذا الملف المكتظ بالتناقض التام مع التيار العالمي في الدفاع عن حرية الإعلام، والساسة اللبنانيون يبحثون في إعلامهم أما من زاوية القانون أو السياسة، وعلة الإعلام اللبناني المقروء والمرئي ليس فيهما بل في (السوية المهنية) التي تدهورت قدراتها إلى حد كبير، بعد حرب أهلية، نفض الغبار عن المباني ولم ينفض من المعاني، فأصبح الإعلام اللبناني بدل أن يكون طرفا بذاته، جزءا من أطراف أخرى. المواطن اللبناني البسيط هو الذي يدفع الثمن، حب وكره ، رخاء وضنك على سطح واحد، ويفرك من تحدثهم أيديهم ويبتسمون، لان الأمر عندهم أن يلقوا باللائمة -كالعادة- على الطليان، في الوقت الذي تنفث فيه الطبقة الوسطى اللبنانية همومها مع دخان الاراجيل في الوسط البيروتي المكتظ.

تعليقات

تعليقات