الاثنين 23 رجب 1423 هـ الموافق 30 سبتمبر 2002 بشرتنا الوكالات في الأيام القليلة الأخيرة باعلان تشكيل منظمة جديدة انطلقت من فرنسا تحت شعار أو تحت عنوان طريف ومثير هو: «كهربائيون بلا حدود» وسوف تنضم المولودة الجديدة الى قائمة منظمات شقيقة سبقتها وأهمها ـ كما لا يخفى عليك ـ «أطباء بلا حدود» و«صحفيون بلا حدود». والحق نقول أن منظمة الأطباء الذين هم بغير حدود جاء تكوينها في التسعينيات كما قد نذكر لتظل محط اعجاب وتقدير واحترام من جانب كل الذين يعنيهم أمر البشر.. الناس في هذا العالم الذي أثخنته جراحات الصراع والعنصرية ـ الشعوبية كما يقول العم الكبير أبوعثمان الجاحظ ـ فضلا عما ينتاب هذا العالم الغلبان من أدواء التخلف والفقر والجهل والمرض وجفاف الحياة من كل بهجة يمكن أن تدخل شعاعا من السرور على قلب الانسان. وفيما انطلقت «أطباء بلا حدود» لتواصل الرسالة التي سبق الى حملها منظمات عالمية إنسانية، مثل الصليب الأحمر أو الهلال الأحمر ولتؤكد أو تجسد الكلمة الجميلة التي أطلقها يوما كاتب أميركي طيب القلب اسمه توماس توم بين (1737 ـ 1809) حين قال: «العالم كله قريتي» فقد انطلقت بدورها «صحفيون بلا حدود» لتدافع عن كتائب المراسلين والمندوبين والمكاتبين والمبعوثين.. ناقلي الأخبار ومحللي التيارات وناشري الأفكار وذلك حين يتعرضون، وكثيرا ما يتعرضون لأخطار جسيمة قد تبدأ بقصف الأقلام وتجفيف الأوراق وقد تتطور الى قطع الأرزاق أو حبس الحريات بل وقد تصل الى ضياع الأرواح حين يسقط الصحفي في ساحات الحروب الأهلية وهو أعزل اللهم إلا من قلم أو كاميرا أو حاسوب شخصي أو مسجل صغير تتناثر أشرطته في أرجاء المكان ممزوجة بدماء الصحفي ومفعمة بأحاديث كم جهد في جمعها وتدوينها لخدمة قارئه.. والتاريخ. لكن هي «كهربائيون بغير حدود» تخرج الى النور لكي تشع النور في مواقع محرومة من النور في أرجاء كرة الأرض.. أريافها القصية وبلداتها النائية المنسية.. هي جماعات من العاملين في هيئات وشركات توليد وتوصيل وتشبيك الكهرباء في فرنسا.. تنادوا فيما بينهم الى تجميع الطاقات وتعبئة الجهود الى حيث يستطيعون توصيل الكهرباء الى حيث يعيش ويسكن البشر الذين لم ينعموا يوما بضوئها وهم بالتالي لم يجلسوا لحظة الى شاشة تلفاز ولا دارت في بيوتهم ماكينة ولا استمعوا الى هدير موتور ـ اللهم إلا سيارة الحكومة تأتي الى حيث يعيشون أو يتعيشون حياة من كفاف.. ولا تحمل اليهم سوى أبناء الحكومة وأعوانها.. مندوبي الاحصاء وجباة الضرائب والمكوس دع عنك وكلاء الضبط والربط وهم أحيانا الموكلون بعمليات القبض والتوقيف لزوم التحقيق والتجريم والتأثيم وسائر الاجراءات المفضية بعيد عنك الى غياهب السجون.. «كهربائيون بلا حدود» ندبوا أنفسهم الى إنشاء وصلات تربط ما بين القرن الحادي والعشرين وبين ملايين من الناس لا يزالون يعيشون حتى الربع الأخير من القرن التاسع عشر.. ولقد حددنا هذه الفترة بالذات لأنها هي التي شهدت جهود العبقري الأميركي«توماس أديسون» وقد كللت في عام 1879 بانتاج أول مصباح كهربائي متوهج كما يسميه أهل الصنعة ومن ثم الى عام 1882 باقامة أول محطة مركزية للتوليد والاضاءة الكهربائية في العالم.. الناس الذين لم يروا ولا استخدموا ضوء الكهرباء مازالوا يعيشون قبل هذا التاريخ يعني تفصلهم عن زماننا 120 سنة بالضبط وهي السنوات التي توالت فيها سلعة الاكتشافات العلمية والمخترعات التكنولوجية التي بدأت بلمبة الكهرباء (أرجوك ألا تستهين بها ولا بمكانتها في حياة البشر) ولما تنته بشبكة الانترنت التي غيرت أنماط التواصل الانساني في أنحاء الدنيا. وبمناسبة تدفق المخترعات فالسيد «توماس ألفا أديسون» شخصيا (1847 ـ 1931) اخترع لوحده أجهزة الفونوغراف لتسجيل الأصوات وأجهزة التهاتف للتلغراف (البرق) الأوتوماتيكي واخترع جهاز إرسال كربوني للهاتف (التليفون) وكان قد سبق الى اختراعه أو اكتشاف وسيلته «الكسندر جرهام بِلْ» في عام 1876 وشهيرة هي أول عبارة سمعتها البشرية في سّماعة الهاتف ـ المسّرة كما يسميها مجمع اللغة العربية في مصرـ وفيها يخاطب المهندس بِلْ مساعده واطسون قائلا في أول جملة كاملة: واطسون.. تعال هنا.. أنا أريدك« وكان ذلك تحديدا يوم 10 مارس 1876». سوف نسمع كثيرا عن «كهربائيون بلا حدود» وسوف نسعد أكثر وأكثر حين يغرس نور الكهرباء كوخا في قرية أفريقية أو مسكنا من جذوع النخيل في ضيعة في جنوبي آسيا أو خيمة من جلد عتيق في إحدى محميات الهنود الحمر في أصقاع أميركا الجنوبية وسوف تتسع بذلك آمالنا وتسري بين أعطافنا مستبشرة ترنو الى المزيد من هذا النموذج «المضئ» من المنظمات التي تحتفل بالانسان من حيث كونه إنسانا.. لأنها هيئات بلا حدود.. لا تنظر الى سحنة الانسان أو لون بشرته أو اسم جنسيته بل هي تزيد قيمتها ويسمو مقدارها ومكانتها في ضوء ما يشهده العالم ـ للأسف ـ من تيارات واتجاهات تجنح نحو المزيد من التعصب أو الاستعلاء العرقي أو خيلاء القوة أو غرور الجبروت. وأغلب الظن أننا سنحتاج الى المزيد من هذه النوعية «الانسانية» من المنظمات.. واذا كان القدر قد أهدانا مؤخرا حكاية كهربائيون بلا حدود.. أفلا يحق لنا أن نرنو الى «سباكون بلا حدود» والحاجة أشد ما تكون الى جهودهم في نفس بقاع الحرمان من ثمار الحضارة ـ أبسط هذه الثمار وربما أكثرها سذاجة ولكنها أشدها ضرورة بل وحيوية ـ أنها شبكات الصرف الصحي التي تفتقر اليها تلك البقاع المنتشرة في طول العالم وعرضه وخاصة في نصفه الجنوبي الذي يعيش أهله بغير أن تتوافر أو تتاح لهم هذه المنافع أو المرافق التي لم تحز يوما ولو برهة خاطفة من تفكيرنا ولا اهتمامنا ولكنها ما برحت أملا يرتجى عند ملايين الفقراء والمهمشين والمحرومين صنبورا من مياه نظيفة تصلح لكي يشربها الآدمي.. ولم نقل مياها معدنية، يتركب أكسيرها من كذا غرام من المنجنيز أو كذا أوقية من الأملاح المفيدة.. أو أنها معبأة في قناني النزف ومودعة في بطون البرادات ومقدمة في أقداح من أفخر كريستالات بوهيميا على صفحة صينية من لجين لامع وجذاب ومصقول.. الخ.. قد تمتد اليها أيدينا دون أن نفكر في هذه الأنعم كلها.. وبغير أن نلقي بالا الى أن هناك بشرا اختزلوا قصارى هّمهم في أن يفتحوا حنفية فاذا بخيط مبارك من الماء النظيف يتدفق.. وكفى الله عباده بالرضا وحسن القبول.. ولا عليك ولا عليهم من أكواب الكريستال، حسبهم أن يحسو المياه نظيفة من أكف الضراعة ترتفع بالشكر لله ولمن أتاح لهم شبكة المياه.. وهيأ لعائلاتهم سبيلا ولو زهيد أو حتى ساذجا لحّمام نظيف ومأوى سكني معقول ومن ثم فالشكر بعد الله سيكون للأخوة «سّباكون بلا حدود»... ويمكن أن نقول الشئ نفسه عن هيئات أو منظمات تحمل أسماء وشعارات من قبيل: نجارون أو حدادون بلا حدود، ويمكن أن تبالغ في التفاؤل وحسن الظن فتحلم معنا بأن نقرأ يوما.. عن «أدباء بلا حدود» أو «مخترعون أو مكتشفون بلا حدود» هؤلاء الذين يضعون قدح أذهانهم وذوب عبقرياتهم ونتائج اكتشافاتهم في خدمة الانسان.. لكي يقاوم غوائل المرض ولكي يتاح له سبل الدواء والعلاج بغير عوائق أو حواجز أو مغارم ينوء بها كاهل البشر.. ثم لكي ينعم الناس من بعد بثمرات الابداع الأدبي والفني.. ترفيها وترويحا ومتعة وثقافة وتوعية وتبصيرا على أن تكون كلها ـ بعد إذنك ـ بلا حدود.