الاثنين 23 رجب 1423 هـ الموافق 30 سبتمبر 2002 من حق أحزاب المعارضة الرئيسية في السودان المشاركة في أية عملية تفاوضية بشأن العلاقة المستقبلية بين الشمال والجنوب على خلفية الحرب الدائرة لما يقارب عشرين عاماً.. لكن بشرط ان يميز قادة هذه الأحزاب بين المشكلة الجنوبية مع الشمال من ناحية وسعيهم من ناحية اخرى الى استرداد السلطة في النظام الحاكم الراهن لأنه ليس هناك علاقة موضوعية بين القضيتين. إن الخلط بين المشكلة الجنوبية القائمة منذ ما يقارب نصف قرن وقضية تغيير النظام الحاكم هو خلط بين التفكير الاستراتيجي طويل المدى والمناورة التكتيكية قصيرة المدى. وعندما يضع قادة المعارضة الشمالية المشكلة الجنوبية المزمنة بكل تعقيداتها الثقافية والتاريخية والعرقية في خدمة المناورات الوقتية من أجل انتزاع السلطة في الخرطوم أو على الأقل المشاركة فيها بقدر مؤثر فإنهم يضعون تلقائياً قدراتهم ومواردهم السياسية في خدمة حركة قرنق وأهدافها المريبة. إن المشكلة الجنوبية ليست مجرد مشاجرة عابرة بين حركة قرنق ونظام «الانقاذ» لأن الحرب الدائرة في الجنوب تمتد جذور أسبابها لنحو 47 عاماً للوراء. فالجيش الشعبي لتحرير السودان ـ جيش قرنق ـ كان يقاتل الشمال قبل ظهور «الانقاذ» في عام 1989 خلال عهود ثلاثة أنظمة متتالية: نظام الرئيس نميري، والنظام الانتقالي برئاسة المشير سوار الذهب والنظام الديمقراطي الذي كان يمثل ائتلافاً بين الحزبين الرئيسيين في الشمال: الأمة والاتحادي الديمقراطي. وإذن فإن الحرب الجنوبية التي أشعلها «الجيش الشعبي لتحرير السودان» منذ عام 1983 ولاتزال مشتعلة حتى يومنا هذا هي حرب موجهة ضد شعب الشمال السوداني بغض النظر عن توالي الأنظمة الحاكمة في الخرطوم باختلاف هوياتها السياسية. والواقع ان بداية الحرب الجنوبية ضد الشمال كانت قبل ذلك بكثير جداً. فقد كان العدوان الجنوبي الأصلي الذي فجّر المشكلة الجنوبية الماثلة حتى اليوم هو قيام حركة تمرد عسكري جنوبي في عام 1955 ـ حتى قبل اعلان الاستقلال عن الادارة الاستعمارية البريطانية ـ انتهت الى ذبح نحو 350 شمالياً من العاملين في الجنوب. وبعد سبع سنوات ظهر تنظيم جنوبي مسلح انشيء على الحدود اليوغندية مع السودان باسم «أنيانيا» شن حركة قتالية لمدى عشر سنوات، وفترة السلام التي أعقبت اتفاقية جنوبية شمالية في عام 1972 لم تستمر أكثر من 11 عاماً قبل ان يخرج الى حيز الوجود تنظيم مسلح جديد باسم «الجيش الشعبي لتحرير السودان» الذي يواصل القتال حتى اليوم. وبالاجمال حارب الجنوبيون خمس حكومات قبل عام 1972، وأربع حكومات بعده ما بين أنظمة حكم ديمقراطية وعسكرية. انها إذن مشكلة مخضرمة ومعقدة بين الجنوب والشمال. هذا هو المنظور العريض الثابت الذي ينبغي ان ينظر قادة المعارضة الشمالية من خلاله الى القضية. لكن المؤسف ان هؤلاء الزعماء نسوا في حمأة طلب السلطة الاعتبارات الموضوعية للقضية فقدموا «التكتيك» على الاستراتيجية، وبالتالي وقعوا في فخ قرنق. إن حركة قرنق المسلحة ليست سوى حلقة واحدة في سلسلة من الحركات والمنظمات الجنوبية المسلحة وغير المسلحة التي تناهض الشمال باسم الجنوب ـ تناهض الشمال بأسره لا نظام «الانقاذ» وحده. فعند القيادات الجنوبية في الحاضر والماضي يستوي اسماعيل الأزهري مع جعفر نميري وابراهيم عبود مع الصادق المهدي وسوار الذهب مع محمد عثمان الميرغني باعتبار انهم جميعاً شماليون. ومن هذا المنظور فإن الاعتبارات الموضوعية تتطلب من قادة احزاب المعارضة الشمالية التعامل مع جون قرنق كخصم في معادلة الجنوب ضد الشمال. ولكن لأن الهاجس الأعظم لهؤلاء القادة هو استرداد السلطة «بأي ثمن» فإنهم رأوا في حركة قرنق المسلحة حليفاً ضد النظام الحاكم. وإذ أقول هذا فإني أسارع الى التنبيه بأن أحزاب المعارضة الشمالية ليست مدعوة الى نبذ معارضتها للنظام الحاكم واسقاط أجندتها من أجل استعادة النظام الديمقراطي الليبرالي. إن المطلوب تحديداً هو ان تستثني هذه الأحزاب المشكلة الجنوبية من بنود معارضتها لأنها من المنطق الشمالي يجب ان تعتبر قضية «قومية». هذا هو المبدأ الأساسي الذي يجب ان ينطلق منه تفكير قادة أحزاب المعارضة الشمالية عندما يطالبون النظام بالمشاركة في العملية التفاوضية بشأن المشكلة الجنوبية. وبالطبع ينبغي ان يسبق المشاركة اتفاق بين قادة المعارضة وقادة النظام.. اتفاق على مشروع قومي لموقف تفاوضي موحد في مواجهة الطرف الجنوبي المفاوض. عندما عقد «مؤتمر المائدة المستديرة» في عام 1965 حول مشكلة الجنوب جلس قادة الاحزاب السياسية الشمالية بكل ألوان الطيف السياسي آنذاك كوفد موحد في مواجهة الأحزاب والمنظمات الجنوبية. في صف واحد، جلس اسماعيل الأزهري (الوطني الاتحادي) مع علي عبدالرحمن (الشعب الديمقراطي) وعبدالخالق محجوب (الحزب الشيوعي) ود. حسن الترابي (جبهة الميثاق الاسلامي). وإذا كان قادة المعارضة الشمالية اليوم يريدون استعادة السلطة فإن عليهم ايضاً استعادة التاريخ.