الاثنين 23 رجب 1423 هـ الموافق 30 سبتمبر 2002 غالباً ما ننطلق من صلابة وعدالة القضية التي نسعى من أجل نصرتها، حتى لترانا نصل في كثير من الأحيان إلى مجانبة الحقيقة في تناولنا لواقع الحال القائم على أرض الواقع. بمعنى أدق، أنه منذ اللحظة الأولى التي فكرت فيها الولايات المتحدة وإسرائيل بخلق بدائل سياسية فلسطينية بدأت التجاذبات والمحاور باختراق الصفوف القيادية الفلسطينية، حكومية كانت أم حزبية، الأمر الذي دفع الطرف الإسرائيلي بالبحث الجاد بالتقدم نحو المزيد من الاختراقات المؤسسية الفلسطينية، وقد اتضح هذا الأمر الخطير في ما تعيشه أقطاب السلطة ومعارضيها الداخليين هذه الأيام، من خلال البحث عن المغانم ونسيان المغارم وما يترتب عليها من أعباء للنهوض الفلسطيني الهادف إلى مواجهة هذه الاختراقات الخطيرة التي تساوي في حجمها احتلال الأرض إن لم يزد. هذا الواقع الفلسطيني المتردي، والصراعات الداخلية، خلق جملة من المخاطر لم تكن، على ما يبدو، بالحسبان الفلسطيني رغم تشدق البعض هذه الأيام بزعم استشعارها من قبل، وهنا لسنا بصدد تفنيد هذه المزاعم وأصحابها، بقدر ما نحن بحاجة إلى بيانها وهي تتلخص بـ : أولاً: بسبب هذه السياسة الانتظارية، تراجع الفعل النضالي الفلسطيني، بل أكثر من ذلك تراجع الالتفاف الجماهيري الفلسطيني حول المطلب الفلسطيني الوطني، وأصبحت جل القضية تتمحور حول من يمتلك الشرعية!! خاصة في ظل التسميات الكثيرة والكبيرة لآلاف مؤلفة من القادة والمديرين. لدرجة وصل معها الصديق قبل العدو لقناعة بأن الفلسطينيين أعجز عن قيادة أنفسهم وتشكيل مؤسسات وطنية معافاة، مما دفع شارون وحكومته إلى العودة لاحتلال الضفة الغربية كاملة، بالمقابل ابتعاد العالم بأسره بما في ذلك الاتحاد الأوروبي الذي كان من أكبر المشجعين على قيام دولة فلسطينية مستقلة، بل أكثر من ذلك لحق بالركب الأميركي الذي تعود على فرض الشروط والإتاوات السياسية التي ليس لقبل فلسطيني أياً يكن بالقبول بها أو حتى مجرد مجانبتها وليس التفكير بالقبول بها. الأمر الذي فتح المجال مجدداً للمقولة الإسرائيلية الجهنمية بالقول أن العالم ليس بحاجة الفلسطينيين هذه الأيام، كما كان يفكر وأن القضية جلها تتركز حول جملة من الإجراءات الإسرائيلية وهي الأقدر على القيام بها، وهي القبض على المطلوبين والخارجين على القوانين وابعاد من دخل من مقاتلين فلسطينيين بموجب صفقة أوسلو إلى الأراضي الفلسطينية، وإعادة الهدوء إلى ما يسمى إسرائيلياً بالمناطق، إلى ما كان عليه الأمر قبل إعلان قيام السلطة الفلسطينية. بمعنى أدق طي ما اصطلح على تسميته بالسنوات الماضية بالملف السياسي، وخلق بعض القضايا الإدارية التي من شأنها تحسين حياة الفلسطينيين المعاشية بالشراكة جنباً إلى جنب مع الإدارة العسكرية الإسرائيلية بهدف رفع المعاناة عن الفلسطينيين، الذين من المنظور الإسرائيلي قد جلبت لهم السلطة الفلسطينية ما نشهده من مصاعب، وتجاهل ظاهرة الاحتلال أو القفز عنها، وهذا الأمر يتأتى من التفكير في فتح سوق العمل الإسرائيلي مع بعض التعديلات الأمنية المشددة أكثر من ذي قبل. لكن بموازاة ذلك يتطلب الأمر الاعتماد على صيغة لا يمكن تجاهلها إسرائيلياً وتتلخص في : الحد الأقصى من الأرض، والحد الأقصى من الإسرائيليين، والحد الأدنى من غير الإسرائيليين في داخل حدود ما يسمى بدولة إسرائيل التي سيتم رسم حدودها النهائية، بعد أن تتوفر جملة الشروط المتوافق عليها إسرائيلياً. والسبيل إلى تحقيق هذا الهدف يمر عن طريق النقاط الخمس التالية : ـ تعميم القناعة بين الجمهور الإسرائيلي على أساس أن عرفات ليس عنوان الاتفاق، وقد وصلت حكومة شارون على ما يبدو إلى ما سعت إليه في هذا المجال، بحيث أن معظم اليهود داخل إسرائيل باتوا يرون أن استمرار المفاوضات مع الرئيس عرفات يعتبر أمراً عديم الفائدة. ـ السعي الحقيقي إلى اعتراف دولي بأن السلام الناجز ليس ممكناً ما دام الرئيس عرفات هو الشريك. ومع إجراء هذا الهدف سيصبح الرأي العام العالمي أنضج، من وجهة النظر الإسرائيلية، لقبول المراحل التي ستتلو ذلك الأمر باستحضار قيادات بديلة. ـ بعد الحسم العسكري لما يسمى إسرائيلياً وأميركياً بالإرهاب الفلسطيني، وتقليص الضربات الفلسطينية ضد المستوطنين في الأراضي المحتلة إلى مستوى ما قبل أوسلو، ينبغي رسم الحدود الدائمة التي تعتمد على القدر الأقصى من الأرض، والحد الأقصى من الإسرائيليين والحد الأدنى من غير الإسرائيليين، والقرار حول الحدود الجديدة سوف يحال في نهاية المطاف إلى موافقة الإسرائيليين عن طريق استفتاء عام. ـ تشجيع النمو، ورعاية زعامة فلسطينية محلية شعبية مقابل سلبية النشاط الدعائي حول الزعامة الحالية. وهذه المهمة ليست بسيطة لأن قدرة إسرائيل على إقامة ارتباط مستمر بزعماء محليين، كما كان الحال قبل أوسلو، ليست مفهومة بذاتها في الوقت الحاضر. وفي الوقت الذي يمضي حتى يزول عرفات ومجموعته من وجهة النظر الإسرائيلية، عن المنبر الشرق أوسطي، من الممكن أن يتولى جيل جديد من الزعماء قيادة المعسكر الفلسطيني ـ الزعماء الذين ليسوا مقيدين بترسبات الماضي، والارغامات التي نجمت عنها، وإنما ملزمون بالسعي إلى مستقبل مشترك إلى جانب إسرائيل. ـ مع إقامة زعامة فلسطينية محلية فإن تطبيق الاتفاقات التي وقعت حتى الآن سيكون نقطة البداية. وبعبارات أخرى يتعين على الجانبين الموافقة على ما تم الاتفاق عليه في الماضي، وتطبيق ذلك كخطوة لبناء الثقة : حكم ذاتي مدني، وقوة غير مسلحة لمهام الشرطة فقط، واستبعاد التهديدات العسكرية التي تتربص بدولة إسرائيل كما يجري تعميم هذه الفكرة أميركياً، من المناطق الفلسطينية وما شابه ذلك. وإن تطبيق هذه الخطوات سوف يشكل ورقة لتصغير آمال الوصول إلى مستويات دائمة على المدى الطويل. ثانياً: لكن شرط تطبيق هذه النقاط باعتبارها أهدافاً إسرائيلية، تبقى منقوصة ومحفوفة بالمخاطر، طالما بقي قطاع غزة بتركيبته الحالية، بحيث بدا واضحاً أن النيات الإسرائيلية المتلازمة مع الخطط العسكرية جاهزة من أجل فض هذه الحالة التكاملية التي يعيشها القطاع على كل المستويات الوطنية والاجتماعية وغيرها، وأن المسألة كلها على ما يبدو، مسألة وقت ليس إلا. ولعل هذا يتلخص إسرائيلياً بدخول قطاع غزة وتقسيمه ما أمكن ذلك إلى أربعة مربعات عسكرية، الهدف منها القضاء على ما تبقى من الإرهاب الفلسطيني، والمقصود بالإرهاب الفلسطيني هو القضاء على قواعد وقيادات حركتي حماس والجهاد الإسلامي وما تبقى من قيادات الجبهة الشعبية وقواعد كتائب الأقصى المؤتلفة مع الواقع الوطني الفلسطيني العام في قطاع غزة. بحيث يتم تصفية البعض انطلاقاً مما سمي سابقاً بقوائم الشطب، التي نجحت إسرائيل في إنجاز غالبية القائمة المسجلة في الضفة الغربية جراء الاقتحامات وعودة احتلال كل المدن والقرى والمخيمات الفلسطينية، والبعض الآخر اعتقاله، أما الباقي القيادي فسيتم ترحيله إلى بعض الدول العربية وعلى رأس هؤلاء قيادات حركة حماس مثل الشيخ أحمد ياسين ومن معه. وإذا ما نجحت إسرائيل في تمرير مخططاتها، فستنطلق بعد ذلك من الحقيقة القائلة، بأن كل حدود دولية تقريباً في العالم قد تحققت نتيجة للحرب. وفي حربها ضد ما يسمى بالإرهاب، يتعين على إسرائيل أن تخرج منتصرة، وهذا الأمر بحد ذاته يحتم على إسرائيل ترسيم حدود توفر الأرض القصوى، مع الحد الأكبر من الإسرائيليين والحد الأدنى من غير الإسرائيليين. واعتبار ما توصلت له آلة الحرب الإسرائيلية الصيغة الوحيدة لما بات يسمى هذه الأيام بالفصل الآمن الذي يقلص إلى حد كبير كذبة الإرهاب الفلسطيني. بهذه التوجهات الإسرائيلية الجهنمية، لا بد من الإيضاح بأن حياة الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات باتت في خطر فعلي وليس كما يدعي البعض بأن هذه القضية مجرد سلاح من أسلحة الضغط، خاصة بعد أن نجحت الولايات المتحدة وإسرائيل في تبني قيادة بديلة من داخل أجهزة السلطة ذاتها. وأن الأيام المقبلة بصرف النظر عن قضية العراق، وباعتبارها حرباً موازية ضد الإرهاب، ستحمل لنا الكثير من المفاجآت غير الحميدة التي ستتضمن تصفيات إضافية وإبعادات وترحيل وتغيير في الجغرافيا والديموغرافيا التي ستنال المخيمات الفلسطينية. لكن السؤال الهام، ما الذي سيكون عليه الرد الفلسطيني في غزة، بعد الرد الشعبي الذي شهدناه في مدينة رام الله وغيرها، بالدفاع عن رمز السيادة الفلسطينية ؟ بعيداً عن استباق الأحداث بأجوبة متفائلة، سيكون مشهداً دامياً هذه المرة وسنعيش نتائج هلامية سيصعب التكهن بها، خاصة إذا ما بقي الموقف العربي على ما هو عليه، وهو الاستكانة للوعود الأميركية الكاذبة التي تسعى إلى ترحيل كل القضايا الفلسطينية إلى ما بعد إنجاز العدوان على العراق والسيطرة على المنطقة برمتها، دون أن نغفل الاختراقات الإسرائيلية الكبيرة والفشل الفلسطيني الفاضح سياسياً ونضالياً بسبب الانتظار والتسويف. ـ كاتب فلسطيني