الاثنين 23 رجب 1423 هـ الموافق 30 سبتمبر 2002 لم يكن قرار رئيس الوزراء الاسرائيلى أرييل شارون فى العاشر من سبتمبر الماضى تعيين الجنرال مائير داغان رئيسا لجهاز الاستخبارات الخارجية الأسرائيلية المعروف باسم (الموساد ) خلفا لرئيسه الحالى إفرايم هاليفى مجرد استبدال رجل بآخر، وإنما جاء اختيارا دقيقا لرجل ينظر إليه على أنه امتداد لشارون فى دمويته وأفكاره، وتاريخه الذى لم تكن الاعتبارات الأخلاقية أو السياسية يوما ما من صفاته، فالجنرال داغان الذى أعاده شارون من الخدمة ليرأس جهاز الموساد ولد عام 1945 فى منطقة حدودية بين روسيا وبولندا، وبعد هجرته إلى فلسطين، التحق بالجيش الاسرائيلى عام 1963 وشارك فى حرب العام 67 ومنح وسام الشجاعة على بلائه فى الحرب، وحينما كلفت رئيسة الوزراء الاسرائيلية السابقة جولدا مائير أرييل شارون بداية السبعينيات أن يقوم بالقضاء على المقاومة الفلسطينية فى قطاع غزة الذى كان يدخل تحت قيادته للمنطقة الجنوبية من فلسطين اختار شارون داغان الذى كان برتبة عميد آنذاك ليقوم بالعملية، حيث ارتكب داغان وقتها الكثير من الأعمال التى تندرج تحت مسمى جرائم الحرب، بحق الشعب الفلسطينى فكان يكلف رجاله بالتمثيل بجثث الفدائيين الفلسطينين بعد قتلهم تحت أعين ذويهم، وكان يقوم بهدم منزل كل فدائى بعد قتله وهى السياسة التى يتبعها شارون الآن وكذلك يقوم بهدم منزل كل فلسطينى يقوم بإيواء او إخفاء فدائى، كما كان يقوم بترحيل أسر الشهداء ورجال المقاومة إلى خارج فلسطين، وكان يقوم مع شارون بفرض حظر التجول على الفلسطينيين لمدد تمتد لأسابيع طويلة، ويقوم بجمع كل الناس حتى من النساء والأطفال تحت الشمس اللاهبة أو البرد القارص لساعات طويلة فى الساحات والميادين فى القرى والمدن الفلسطينية ويطلب منهم رفع أيديهم لساعات طويلة بهدف إذلال الجميع وإهانتهم، وبالتالى فإن أهالى غزة يذكرون داغان جيدا وما فعله بهم قبل حوالى ثلاثين عاما، حيث عاد الآن بمهمة محددة تشبه تلك التى كلفه بها شارون بداية السبعينيات وهى القضاء على المقاومة التى أصبحت تقض مضاجع الاسرائيليين وتمكنت خلال العامين الماضيين من أن تحول إسرائيل إلى دولة غير مستقرة من كافة النواحى حتى أن وزير المالية الاسرائيلى سلفان شالوم قال فى تصريح نشرته صحيفة هآرتس الاسرائيلية فى 15 سبتمبر الماضى « إن خسائر إسرائيل من الأرهاب تصل إلى 24 مليار شيكل مع فقدان 80 ألف وظيفة علاوة على فقدانها 12.5 مليار شيكل تمثل انخفاضا فى إنتاجها الاقتصادى، أما حربها فى مكافحة الأرهاب فإنها تكلفها تصل إلى 5.5 مليارات شيكل سنويا » انتهى كلام وزير المالية الأسرائيلى لكن تأثير المقاومة لازل مستمرا وهذا ما دفع شارون إلى البحث عن صديقه القديم أو كما أطلقت عليه صحيفة «يديعوت أحرونوت» الاسرائيلية فى 13 سبمتمبر الماضى «شارون الجديد» وقالت انه ولد إلى جوار شارون القديم وعمل معه بانسجام وكأنهما يكملان بعضهما بعضا . أما المهمة الرئيسية القذرة للجنرال داغان فقد تحدثت عنها تقارير إخبارية كثيرة صدرت فى أعقاب إعلان شارون عن تعيينه فى منصبه، ، منها ما ذكرته «صنداى تايمز» البريطانية أن دوغان «سوف يعيد العمل بفرقة الاعدام الخاصة والتى سميت بالأسم الرمزى » قيسارية « بهدف التخلص من قادة وموجهى وممولى » أعداء إسرائيل « فى الخارج » والتى يمكن أن تصل ـ كما ذكرت صحيفة «الشرق الأوسط» فى 19 سبتمبر الجارى ـ إلى حد قيام داغان بعد تعيينه مباشرة بزيارة سرية للولايات المتحدة ليبحث مع قادة السى آى إيه خطة مشتركة لتصفية الرئيس العراقى صدام حسين دون إغراق أميركا فى حرب شاملة مع العراق، وهى خطة كان داغان قد شارك فى وضعها عام 1995، أما زئيف شيف فقد كتب فى «هآرتس» الأسرائيلية مقالا عن إخفاقات جهاز الموساد خلال السنوات الماضية، وقال إن مهمة داغان تتلخص فى « إنقاذ كرامة التنظيم » يعنى جهاز الموساد، ومن ثم فإن عمليات الاغتيال القذرة لرجال المقاومة وتصفتيهم ليس داخل فلسطين وحدها وإنما فى عواصم ومدن خارجية مثل بيروت ودمشق وطهران ربما تكون من الانجازات الرئيسية التى يسعى داغان لتحقيقها، وتتواكب هذه العمليات القذرة المتوقعة للموساد مع إعلان السى آى إيه بعودة عملياته القذرة أيضا للخارج، كما تتوافق مع إطلاق الولايات المتحدة العنان لشارون بعد الحادى عشرمن سبتمبر ليفعل فى الفلسطينيين ما يشاء ومن ثم فإن المرحلة المقبلة سوف تشهد المزيد من سفك الدم الفلسطينى لاسيما لقادة المقاومة سواء كانوا سياسيين أو ناشطين عسكريين .. لأن كل هذا يندرج تحت إطار المهمة القذرة .. للجنرال داغان. ـ كاتب وإعلامي مصري