الاثنين 23 رجب 1423 هـ الموافق 30 سبتمبر 2002 من الافكار الادارية المتداولة لدى جموع الموظفين تلك القاعدة الشهيرة التي تقول: «اذا اردت ان تنجز عملا فاسنده الى شخص مشغول» واغلب ظني ان قراء هذه السطور قد قرعت اذانهم مراراً هذه القاعدة الذهبية، وربما مارسوها بشكل او بآخر. فمن الطبيعي ان يرد الى ذهنك اذا كنت في موقع يسمح لك بان تسند مهمة خاصة الى شخص ما، ذلك الانسان الذي تراه دائماً حاضر العقل، متحفز الهمة، متهيئاً لتقديم الافضل، ومتوافقا في ادائه اليومي مع ادق شروط التميز المهني. وفي الغالب فان نظرتك فيه لن تخيب خاصة اذا كنت ستوكل اليه مهمة تتناسب مع امكاناته واستعداداته الخاصة. ولكن كيف حدث ذلك؟ ولماذا يستطيع الاشخاص المشغولون ان يتحملوا المزيد من المسئوليات؟ وفي المقابل لماذا لا يتجه التفكير الى اسناد المهمات الصعبة الى الاشخاص الفارغين، الذين لديهم فائض من الوقت، ورغم ذلك لا تتجه اليهم الانظار، ولا توكل اليهم مثل تلك الاعمال؟ ان التباين الشديد في القدرة على الانتاج كماً وكيفاً يرجع الى العادات اليومية في التعامل مع الزمن، والمنهج الشخصي في اتخاذ القرارات المتعلقة بالوقت والاداء وفقا لطبيعة الخارطة العقلية التي تحدد مسارات تفكير الفرد، والموقف النفسي الذي يتحكم عادة في قرارات الفرد، ويحدد له سلوكه مع البيئة الخارجية. ومن البديهي التذكير بأن ممارسة عادات النجاح تتربع على عرش السلوكيات اليومية التي يحترفها مدمنو النجاح، ومن وصلوا الى الخطوط المتقدمة في الحفاظ على مستوى من الاداء يستحق الاشادة والذكر. ويعتبر «التدريب» على ممارسة السلوكيات الذكية، والعادات الايجابية هو الخطوة الاهم في مشروع التنمية الذاتية. كما تشكل المواظبة والاستمرار «العمود الفقري» لتكوين العادة السلوكية الجيدة الامر الذي يؤكد قدرة هذا الفرد على منع اي نوع من الهدر لوقته الفعّال، والتكيف مع الطواريء والمفاجآت والمقاطعات الخارجية بصورة تحفظ تقدمه التدريجي نحو مزيد من التجويد والاتقان للمهمات التي بين يديه. وفي المقابل لن يستطيع فرد ان يكون عادة سلوكية جيدة اذا ما كان عاجزاً عن اتخاذ موقف حازم ازاء تطفلات الآخرين، وثرثرتهم على حساب وقته. ومن الصعب تصور الجودة في نوعين من السلوك كل منهما يسحب الفرد الى اتجاه مختلف، فبينما يقوده الحزم والسيطرة على المفاجآت غير المتوقعة تجاه المهمات التي اسندت اليه الى اتخاذ قرارات ايجابية تجاه اهدافه، تقوده السلبية والاستسلام للمقاطعات والطواريء الى الشعور بالعجز عن الوفاء بتلك المهمات التي تحتاج الى وقت وذهن شديد التوقد. وحين سئل الكاتب جيفري ارثر عن السر في تفوقه وانتاجه وفاعليته في الاداء، اجاب قائلا: السر هو النظام. والنظام في ابسط تعريف له هو المحافظة على القانون الشخصي الذي يضمن قدراً متواصلا من الانجاز على نحو تتراكم فيه النجاحات الجزئية، وتنمو معه الاعمال الصغيرة المتميزة الى ان تصبح عملا رائداً له جاذبيته التي تغري بالتقليد والمحاكاة. واذا كان اي نجاح كبير ما هو الا محصلة لاعمال جزئية صغيرة، فان الذكاء في ادارة الوقت هو الطريق الاقرب لتحقيق «طفرة في الانجاز» يمكن التنبؤ بها، والجزم بإمكانية حدوثها بنسبة عالية. واذا ما علمنا ان المدير العادي يقاطع كل 8 دقائق وانه يحتاج الى عدة دقائق ليسترجع تركيزه على العمل، فسوف يتضح مدى الهدر في الطاقة العقلية، وتحجيم القدرة الانتاجية لدى هؤلاء المسئولين. ومع مرور الايام، والاستسلام للمقاطعات الادارية التي وصلت في بعض الدراسات الى 33 نوعاً، كل نوع منها قادر على اقصاء اي فكرة وليدة من ذهن صاحبها المحاصر بانواع المنغصات المفاجئة التي تأتيه من الخارج، وتمنعه من الاسترسال مع أفكاره الوليدة الى خط النهاية، الذي يقطع الوصول اليه افواج من المتخصصين في قطع حبل الافكار، ممن لا يحدد لهم وقت خاص للقاء بهم، فالوقت كله مباح، وسياسة الباب المفتوح مطبقة بدون ادنى تحفظ او مراجعة، كما ان التفكير في تنظيم الوقت هو امر في حكم المستحيل لدى خبراء الزمن المهدور، الامر الذي يؤكد لك بأن من ينجز الاعمال المهمة هم الاشخاص المشغولون!! m-alnaymi@maktoob.com