الاحد 22 رجب 1423 هـ الموافق 29 سبتمبر 2002 قال الاوزاعي: دخلتُ على المنصور فقال لي: ما الذي بطّأ بك عني؟ قلت: وما تريد مني يا امير المؤمنين؟ قال: الاقتباس منك. قلت: يا امير المؤمنين، انظر ما تقول، فإن مكحولاً حدثني عن عطية بن بسر ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من بلغته عن الله نصيحة في دينه فهي رحمة من الله سيقت اليه، فإن قبلها من الله بشكر والا فهي حجة من الله عليه، ليزداد اثماً ويزداد الله عليه غضباً. وان بلغه شيء من الحق فرضي فله الرضا، وان سخط فله السخط، ومن كرهه فقد كره الله عز وجل، لأن الله هو الحق المبين». ثم قلت: يا امير المؤمنين، انك تحملت امانة هذه الامة، وقد عرضت على السموات والارض فأبين ان يحملنها واشفقن منها. وقد جاء عن جدك عبدالله بن عباس في تفسير قول الله عز وجل: «لا يغادر صغيرة ولا كبيرة الا احصاها». قال: الصغيرة: التبسم. والكبيرة: الضحك. فما ظنك بالقول والعمل؟ فاعيذك بالله يا امير المؤمنين ان ترى ان قرابتك من رسول الله صلى الله عليه وسلم تنفعك مع المخالفة لأمره، فقد قال صلى الله عليه وسلم: «يا صفية عمة محمد، ويا فاطمة بنت محمد، استوهبا انفسكما من الله فإني لا اغني عنكما من الله شيئاً». وكذلك جدك العباس سأل إمارة من النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «اي عم، نفس تحييها، خير لك من امارة لا تحصيها»، نظراً لعمّه وشفقة عليه من ان يلي فيحيد عن سنته جناح بعوضة، فلا يستطيع له نفعاً، ولا عنه دفعاً». وقال صلى الله عليه وسلم: «ما من راع يبيت غاشاً لرعيته الا حرّم الله عليه رائحة الجنة» وحقيق على الوالي ان يكون لرعيته ناظراً، ولما استطاع من عوراتهم ساتراً، وبالحق فيهم قائماً، فلا يتخوف محسنهم منه رهقاً، ولا مسيئهم عدواناً. فقد كانت بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم جريدة يستاك بها، ويردع المنافقين عنه. فأتاه جبريل، فقال: يا محمد، ما هذه الجريدة التي معك؟ اتركها لا تملأ قلوبهم رعباً. فما ظنك بمن سفك دماءهم، وقطع استارهم، ونهب اموالهم؟ يا امير المؤمنين، ان المغفور له ما تقدّم من ذنبه وما تأخر، دعا الى القصاص من نفسه بخدش خدشه اعرابياً لم يتعمده، فقال جبريل: يا محمد: ان الله لم يبعثك جباراً تكسر قرون امتك. واعلم يا امير المؤمنين ان كل من في يدك لا يعدل شربة من شراب الجنة، ولا ثمرة من ثمارها. ولو ان ثوباً من ثياب اهل النار علق بين السماء والارض لأهلك الناس رائحته، فكيف بمن تقمصه! ولو ان ذنوبا من صديد اهل النار صب على ماء الدنيا لأحمه، فكيف بمن تجرعه؟! ولو ان حلقة من سلاسل جهنم وضعت على جبل لاذابته، فكيف بمن يسلك فيها ويرد فضلها على عاتقه! ابو صخر