الاحد 22 رجب 1423 هـ الموافق 29 سبتمبر 2002 حتى تحين ساعة الصفر الحاسمة بشأن توجيه ضربة عسكرية أميركية ـ بريطانية ضد العراق، فإن الرئيس بوش سيتحفنا كل يوم بخطاب مثير للأعصاب، يُعيد فيه ما قاله عشرات المرات سابقاً حول نظام بغداد «الشرير» وحول صدام حسين «الإرهابي» الذي يجب الخلاص منه خدمة للإنسانية ولشعبه المسكين وللمنطقة بأسرها. وبالإجماع فإن ظهور بوش على شاشات التلفزة لا يفعل شيئاً سوى إثارة الأعصاب والغضب وسيل لا ينتهي من الشتائم واللعنات تقذفها الألسن باتجاه الإدارة الأميركية وبوش تحديداً وأميركا على وجه العموم، حتى صار هذا الرئيس من أكثر الشخصيات إثارة لغضب الرأي العام في كل مكان. لقد حفظ العالم بأسره مأثورات بوش، وما يُريد أو يحلم تحويله إلى وعي تاريخي وقناعة راسخة في أذهان العالم حول العراق وصدام وأسلحة الدمار الشامل، والشعب العراقي المضطهد والمستعبد والمبتلى بهذا النظام الديكتاتوري، لكننا في المقابل نحتاج لأن نذكّر الرئيس الأميركي بأن تاريخ بلاده يحوي أبشع صفحات الإبادة الجماعية التي عرفها تاريخ البشرية حتى الآن، وبأن أسلافه الذين غزوا أميركا وأسسوا فيها امبراطوريتهم هم أول من استخدم أسلحة الدمار الشامل والأسلحة الجرثومية، وبأن الولايات المتحدة وليس صدام هي صاحبة الفضل في اختراع أبشع نظام تطهير عرقي على وجه الأرض. في شهادته التاريخية الجديرة بالعرض والاهتمام والنشر يقول منير العكش، الناقد والباحث في مجال الإنسانيات والذي يعيش في واشنطن منقباً ومهتماً بتاريخ وثقافة الهنود الحمر وبظاهرة الصهيونية غير اليهودية: «إن المستعمرين الإنجليز الأوائل قد استوطنوا شواطئ القارة الأميركية الشرقية وأسسوا فيها 13 مستعمرة وأطلقوا عليها اسم أرض الميعاد وصهيون وإسرائيل الله الجديدة، كما سمّوا أنفسهم بالعبرانيين، لقد كانوا يقتلون السكان الأصليين (الهنود) وهم على قناعة بأنهم عبرانيون فضلهم الله على العالمين وأعطاهم تفويضاً بقتل الكنعانيين، فكانت جرائمهم تلك هي الأكبر والأطول في التاريخ الإنساني». لذلك فلا نستغرب الهلع والجنون العُصابي الذي استبد بأميركا كلها مع ظهور حالات الجمرة الخبيثة أو ما عُرف بالحرب الجرثومية، فالأميركي الأبيض قد رأى ذاكرته وتاريخه كله في المرآة فصارت أميركا كالامبراطور العاري أمام ذاكرة التاريخ المرعبة التي أثبتتها الإحصائيات المؤكدة على أن أوائل المستعمرين الإنجليز الذين أوجدوا أميركا قد أقاموها على فكرة عنصرية مقيتة مفادها: استبدال شعب بشعب وثقافة بثقافة. هلع الأميركان كان خلاصة رُعب منغرس في تلافيف الذاكرة، الذاكرة التي أسست أميركا على إبادة (112 مليون) إنسان بأكثر أشكال الإبادة وحشية وأهمها الحرب الجرثومية، حرب الأمراض التي نشرها المستعمرون بين السكان بعدة وسائل، حتى صارت وفيات الجدري والطاعون والحصبة والانفلونزا والسل والدفتريا والكوليرا وغيرها بالملايين، ودون أن يرف جفن لهؤلاء، فقد كانوا يرددون كما تذكر الأدبيات الموجودة في مكتبة الكونغرس بأن «هذا القتل يرضي الرب لأنه يمجد مملكة إسرائيل!». إن الرئيس بوش وأركان حكومته الأكثر تطرفاً في تاريخ اليمين السياسي الحاكم، يخشون أن يروا عُريهم في مرآة الذاكرة والواقع، معتقدين ان العالم المبتلي بسماع خطابات بوش السمجة يصدق حقيقة أن بوش يدافع عن الحرية ويحمي الحضارة ويبكي على شعب العراق الذي يموت منه ما يقارب الـ 6000 شخص شهرياً بحسب احصاءات الأمم المتحدة بسبب سياسة الحصار والتجويع ونقص الأدوية وآثار ضرب العراق عام 1991 المدمرة. إن بوش وصقوره القابعين في البيت الأبيض يرتدون أحذية من ريح يُسابقون العالم والزمن والأمم كلها لينتزعوا موافقة أممية تخولهم حق ضرب العراق وتدميره من أجل حمايته من نظام صدام!! وعلينا أن نبتلع هذا المنطق المعوج كما ابتلع التاريخ عظام 112 مليون هندي أبادهم أسلاف بوش لإقامة مملكة أميركا التي وطدت أركانها على جماجم أولئك وجماجم أبرياء هيروشيما ونغازاكي ودماء الفيتناميين مروراً بأرواح الأبرياء في أفغانستان وفي العراق ما بين الرصافة والجسر.