الاحد 22 رجب 1423 هـ الموافق 29 سبتمبر 2002 للبأس والقوة نشوة إن لم يتمتع ذو البأس معها بالحكمة أودت به قوته وأوردته موارد الهلاك والردى، وحولته إلى عبرة لمن شاء أن يعتبر. وفي مصرع السلطان السلجوقي «ألب أرسلان» قصة تستحق أن تروى وأن تؤخذ منها العبرة. وألب أرسلان هو ابن أخي «طغرل بك» الذي استعان به الخليفة العباسي القائم بأمر الله على البويهيين فدخل بغداد منهياً سيطرتهم على الخلافة العباسية وخلع الخليفة العباسي عليه لقب ملك الشرق والغرب. وفي عهد ألب أرسلان تمكن السلاجقة من فتح بلاد الكرج وأرمينيا وجزء كبير من آسيا الصغرى واكتسحوا الشام وهزموا البيزنطيين في معركة «ملاذكرد» الشهيرة وأسروا الامبراطور البيزنطي «رومانوس ديوجنس». تقول الروايات إنه اثناء تقدم جيش ألب أرسلان نحو سمرقند، وبعد اجتيازه بمئتي ألف فارس نهر جيحون وقفت امامه احدى القلاع صامدة غير بعيد عن النهر. وما كان لجيش بهذا العدد وقائد منتصر في مكانة ألب أرسلان أن يتجاوز تلك القلعة دون أن يكتسحها خشية أن تظل ثغرة تسبب لجيشه المتاعب اذا ما هو تقدم لحصار المدينة. كانت مقاومة القلعة عنيفة إلى الدرجة التي أحرجت الجيش العرمرم الزاحف. وكان بطل تلك المقاومة داخل القلعة قائد خوارزمي يدعى يوسف بطل طبرستان. وبعد مقاومة باسلة ابدتها القلعة كان لتلك المعركة ان تخضع لمنطق الاشياء، وتسقط القلعة الصغيرة المحاصرة ويقع قائدها في الاسر بعد ان يجرح، ثم يتم اقتياده إلى السلطان المزهو بانتصاراته. كان السلطان في اشد اللهفة لرؤية ذلك الرجل الذي سبب له كل تلك المتاعب واعاق تقدم جيشه. وكانت دهشته عظيمة عندما مثل امامه رجل قصير القامة ضامر الجسم أشعث أغبر. وقف ذلك الرجل منتصب القامة مرفوع الرأس بين اثنين من عمالقة جند السلطان وقد امسكا ذراعيه بقوة. كان السلطان يجلس متربعاً فوق سدة من خشب مفروش بالطنافس عندما احضر اليه القائد الذي دوخ جنده أياماً طوالا. في موقف كهذا نظر كل من الرجلين إلى الآخر النظرة التي يمكن ان نتخيلها نحن اليوم رغم مضي ما يقرب من الف عام عليها. وبعد ان افرغ السلطان ما في نفسه من غضب تجاه القائد المأسور الواقف امامه، وافرغ الاسير الجريح ما في نفسه من تحدٍ تجاه ذلك السلطان المنتصر المزهو بقوته حانت لحظة الحساب، فأصدر السلطان حكمه باعدام القائد الاسير آمراً بأن تغرس اربعة أوتاد في الأرض ليربط عليها ويفسخ. نظر يوسف إلى السلطان من اسفل إلى اعلى وصاح: أهذه معاملة يعامل بها من قاتل قتال الرجال؟! لم يرد السلطان بل أدار وجهه فخاطبه الأسير قائلاً: أنت أيها «.......» إني أوجه الخطاب إليك. هنا أصابت الكلمة من السلطان مقتلاً وشعر بالاهانة بعد ان كان الغضب قد وصل عنده حده الاقصى فتناول قوسه التي كان ماهراً في استخدامها ووتر بها سهمها، وقبل ان يطلق السهم امر الحراس بترك الاسير. الأرجح انه لم يشأ أن يقال عنه أنه قد صوب على أسير مقيد، لا خشية أن يطيش السهم فيصيب أحداً من الحراس اذ كان واثقاً من قدرته على التصويب وهو الذي ما أخطأ هدفاً صوب عليه في حياته قط. شيء ما يصعب تفسيره حدث في تلك اللحظة، فهذا السلطان المنتصر الماهر في استخدام القوس الذي لم يطش له سهم أبداً خانته مهارته للمرة الاولى أو تخلى عنه الحظ فيما يظهر للمرة الاخيرة. هل كانت سورة الغضب أم هي نظرة التحدي في عين غريمه ام هو الحظ الذي انحاز ليوسف هذه المرة ليجعل السهم ينطلق بعيداً عن الهدف القريب الذي كان قد تحرر من حراسه بأمر السلطان؟ وكانت فرصة العمر النادرة التي ما كان ليوسف أن يفوتها فانقض على السلطان تدفعه الرغبة في النيل منه قبل أن يلقى حتفه، ولم يكن بوسع السلطان أن يضع سهماً آخر في القوس ليدافع عن نفسه فقد اذهلته المفاجأة وباغته غريمه، وفيما هو يحاول الافلات منه عثرت رجلاه بإحدى الطنافس فانكب على وجهه، وفي لمح البصر كان يوسف ينقض عليه بسكين احتفظ بها مخبأة في ثيابه، ويسدد إليه طعنة في خاصرته قبل ان تصل اليه هراوة أحد الحراس لتصرعه ويمزق الجنود جسده دفاعاً عن سلطانهم بينما كانت ابتسامة ترتسم على شفتي الاسير الذي تمكن من الانتقام لنفسه قبل ان يلقى مصرعه. بعد اربع ليال من الاحتضار مات السلطان ألب أرسلان. وينقل ابن الاثير في كتابه «الكامل في التاريخ» أنه قال أثناء احتضاره: «ما من وجه قصدته، وعدو أردته إلا استعنت بالله عليه. ولما كان امس صعدت على تل فارتجت الارض تحتي من عظم الجيش وكثرة العسكر، فقلت في نفسي: أنا ملك الدنيا ولا يقدر أحد علي، فعزرني الله تعالى بأضعف خلقه، وأنا استغفر الله تعالى وأستقيله من ذلك الخاطر». ويقول محمد بن حامد الاصفهاني في كتابه «تاريخ دولة سلجوق». «وحكي أنه (أي ألب أرسلان) قال حين حينه وعاين الموت بعينه: ما كنت قط في وجه قصدته ولا عدو أردته الا توكلت على الله في أمري، وطلبت منه نصري، وأما في هذه النوبة فإني أشرفت من تل عالٍ فرأيت عسكري في أجمل حال، فقلت: أين من له قدر مصارعتي، وقدرة معارضتي، وإني اصل بهذا العسكر إلى أقصى الصين، فخرجت علي منيتي من الكمين». هل كان من سخريات القدر ام انها مقتضيات السياسة هي التي عقدت تلك المصاهرة بين السلطان السلجوقي «ألب أرسلان» وخان سمرقند «نصر»؟ فقد تزوج «ملكشاه» بكر السلطان أخت الخان «تركين خاتون» التي سيكون لها شأن فيما بعد، وتزوج الخان نفسه ابنة «ألب أرسلان» في وقت سابق على هذه الاحداث، لكن هذه المصاهرة لم تمنع تطلع السلطان إلى الاستيلاء على مدينة صهره، ولم تنطل على الخان الذي صدقت رؤيته وكادت تتحقق لولا مقتل السلطان الذي جعل سمرقند وخانها وسكانها يتنفسون الصعداء. ثمة امرأة تنتمي إلى المعسكرين معا بوشائج دم وقربى وجدت نفسها في موقف لا تحسد عليه وحارت خطوتها بين الحزن والفرح. انها ابنة السلطان الطعين وزوجة الخان الذي حاول عدم اظهار غبطته بموت والدها فأقام صلاة الغائب على روحه في المسجد الجامع، وتقبل التعازي بموت حميه. وفي مكان آخر.. بعيداً عن مسمع الزوجة المكلومة.. سمعه كل من حوله وهو يردد في مجلسه «لقد استجاب الله لدعوات اهالي سمرقند». انتهت قصة وبقيت قصص لنا فيها عبر لمن شاء أن ينأى بنفسه عن اقتفاء الأثر أو أراد أن يعتبر.