الاحد 22 رجب 1423 هـ الموافق 29 سبتمبر 2002 من بين الحقائق الكبرى التي فضحتها الانتفاضة الفلسطينية المسلحة التي أكملت للتو عامها الثاني أن العائق الداخلي الاكبر الذي يحول دون انطلاق المقاومة بكامل زخمها هو الدور المريب للاجهزة الامنية التابعة للسلطة الفلسطينية. لانه دور يضع قادة فصائل المقاومة المسلحة امام خيارين حادين: اما تحجيم وتيرة العمل المسلح ضد اسرائيل أو اشعال حرب أهلية فلسطينية بالتصدي لقوات الامن الفلسطينية والمتعاونين معها، واذا كان قادة الفصائل قد تحلوا حتى الآن بالصبر والحكمة لتفادي شر الحرب الاهلية فان السؤال الالحاحي سوف يبقى: كيف تتمكن الانتفاضة من الانطلاق الكامل غير المقيد في المستقبل؟ لنستذكر أولاً أن الدور السالب الذي تلعبه أجهزة السلطة الفلسطينية ينبغي الا ينظر اليه الا من خلال تاريخ المسيرة النضالية الفلسطينية. فالطراز القيادي الذي تمثله السلطة الوطنية الفلسطينية ينتمي الى نموذج يختلف في طبيعته السياسية عن النموذج الذي تنتمي اليه قيادات الفصائل المقاومة وكوادرها الميدانية. والسؤال الفرعي الذي يجب ان يطرح في هذا السياق هو: متى يتلاشى النموذج القيادي التقليدي الذي تعمل السلطة الفلسطينية باسمه وتوجيهه حتى تتمكن فصائل المقاومة المسلحة من الانفراد بالمسرح؟ للاجابة عن هذا السؤال يجب ان نعيد الى الاذهان اولاً أن الانتفاضة الراهنة التي اندلعت عند اواخر سبتمبر قبل عامين هي تجديد للانتفاضة الاولى في عقد الثمانينيات ، وثانيا ان قيادة منظمة التحرير الفلسطينية في الشتات هي الطرف المسئول عن اجهاض انتفاضة الثمانينيات، وثالثاً أن هذه القيادة نفسها هي التي ورطت الشعب الفلسطيني في اتفاق اوسلو الخطير، ورابعا ان الدافع الاساسي للانتفاضة الثانية الراهنة هو في الحقيقة تصحيح خطيئة اوسلو وما أفرزت من حقائق خطيرة ومريرة على الارض. ان العديد من المعلقين يعللون تسبب قيادة منظمة التحرير في اجهاض الانتفاضة الاولى بأن الرئيس عرفات والدائرة الضيقة حوله من خلصائه في مقر المنظمة آنذاك في تونس بأنه كان مجرد تقدير ناشيء عن تعجل في محاولة ترجمة الزخم الميداني للانتفاضة الى مكاسب سياسية لصالح القضية. لكن حتى لو صح هذا التحليل فإنه لا ينفي حقيقة أن الدافع الاعمق للرئيس عرفات في التحرك بعجلة على خلفية الانتفاضة هو شعور حاد بالقلق الذاتي من ان «الداخل» ينتزع القيادة والمبادرة من «الخارج». هذا ما أثبتته التطورات العملية اللاحقة بعد وضع بنود اتفاق اوسلو موضع التطبيق. واذا كان «أوسلو» نفسه الذي كان ثمرة مداولات عميقة السرية مع كبار قادة المنظمات اليهودية في الولايات المتحدة كخطوة تمهيدية قد تفاوضت عليه وأبرمته قيادات من الشتات الفلسطيني تحت اسم منظمة التحرير فان البنية البشرية لاجهزة السلطة الفلسطينية التي كانت وليدة «أوسلو» تكونت بصورة شبه احتكارية من قيادات وكوادر الخارج. وفي الوهلة الاولى لقيام السلطة الفلسطينية ظل رجالها وكوادرها ينظرون الى المنظمات النضالية في الاراضي المحتلة بعين الريبة. ان مشكلة الانتفاضة الفلسطينية الراهنة هي انها يتنازع قيادتها تياران متنافضان من حيث الخلفية السياسية وبالتالي من حيث الرؤية والمنهج: تيار الشتات التقليدي المتمثل في منظمة التحرير الفلسطينية بصورتها القديمة بزعامة عرفات من ناحية وتيار الفصائل النضالية التي نشأت داخليا ومحليا على الارض الفلسطينية المحتلة. ولن تستطيع الانتفاضة الانطلاق بكامل القوى النضالية الكامنة لدى الشعب الفلسطيني ما لم يتم حل هذا التناقض الخطير لصالح الكفاح المسلح. ان «حماس» و«الجهاد الاسلامي» و«فتح» بمليشياتها المسلحة ـ كتائب الاقصى وسرايا القدس وغيرها من الفصائل المسلحة المنخرطة في المقاومة لا تستطيع التحرك بحرية كاملة في تدبير وتنفيذ العمليات المسلحة سواء داخل الاراضي المحتلة أو في العمق الاسرائيلي طالما أن هناك قيادات تقليدية ترى ان المنهج الافضل للتعامل مع القوة الاحتلالية الاسرائيلية يتمثل في المناورات السياسية والمساومات الامنية والمؤتمرات الدولية والاتصالات الثنائية على المستوى الخارجي، علما بأن هذه القيادات التقليدية تمارس رؤيتها عمليا من خلال اجهزة السلطة الفلسطينية عن طريق اتفاقات التنسيق الامني مع القوات الاسرائيلية التي عادة ما يعقبها تعاون أمني ميداني. ونعود الى السؤال الاصلي: الى متى يبقى هذا التناقض؟ ربما لاننتظر طويلاً للحصول على اجابة. فالطاقم القيادي التقليدي هو الان في حالة انقراض بعد ان انشق على نفسه داخلياً بين فريق يناصر الرئيس عرفات ويعتمد عليه في البقاء وفريق آخر نجحت القيادة الاسرائيلية في استقطابه نهائياً ليطالب باقصاء عرفات باسم «الاصلاح». انه طراز من القيادة مرشح بفريقيه المتواجهين للتلاشي من شاشة التاريخ، بينما تفقد اجهزة السلطة الفلسطينية عناصر بقائها يوماً بعد يوم. وعندما ينقرض هذا الطراز بعد أن يستنفد تاريخ صلاحيته فإننا يمكن بعد ذلك ان نشهد بوادر بداية الانتفاضة الحقيقية العارمة التي تنطلق دون قيد.