الاحد 22 رجب 1423 هـ الموافق 29 سبتمبر 2002 يتساءل كثيرون عن امتناع الادارة الأميركية من استخدام حق النقض الفيتو ضد القرار الذي صدر عن مجلس الأمن الدولي الذي دعا الى فك الحصار عن مقر رئيس السلطة الفلسطينية في رام الله فورا. وينظر بعض المتفائلين الى ان الامتناع الأميركي جاء على ارضية محاولة خلق توازن في موقف واشنطن من الصراع العربي ـ الصهيوني، بعد الانحياز الكامل الذي اتخذته ادارة الرئيس بوش وتبنيها لموقف الكيان بالكامل، ويرى هذا البعض ان ادارة البيت الابيض قد استوعبت درس الانتفاضة وهي تدخل عامها الثالث، حيث ايقنت ان العمليات الاستشهادية لا يمكن ايقافها ببلدوزرات شارون او دبلوماسية شيمون بيريز، وبالتالي اقدمت على توجيه تكليفاتها لمندوبها في الامم المتحدة بعدم رفع يديه معلنا قرار النقض الذي تزايد مع مجيء بوش الابن. بيد ان المعطيات التي حكمت تصرف واشنطن «الاستثنائي» هي ابعد من ذلك. بل ان حسابات الانحياز واستيعاب دروس النضال الوطني الفلسطيني قد لا تكون في قائمة المعطيات التي ادت الى الامتناع عن قرار «الفيتو» وذلك ان الارضية التي تسير عليها واشنطن والمسكونة بها حتى النخاع، هي الكيفية التي تعبد الطريق لضرب العراق، حيث تعتبر ذلك أولوية قصوى يجب الانتهاء من انجاز عملياتها لأغراض عدة، اهمها ان الولايات المتحدة، وبعد اكثر من عام على احداث الحادي عشر من سبتمبر، لم تتخلص من هاجس مطاردة الاشباح والعفاريت من تنظيمي القاعدة وطالبان، وحتى الآن، وبالرغم من الاعتقالات التي طالت الآلاف، لم تتمكن واشنطن من توجيه اتهام مباشر للمعتقلين الموزعين بين الولايات المتحدة وقاعدة جوانتنامو وافغانستان وباكستان، عدا العشرات المعتقلين في اوروبا وبعض البلدان العربية ودول العالم الثالث. واذا استثنينا المغربي الاصل (موسوي) فان الولايات المتحدة فشلت في الصاق التهم المباشرة، وتحميل اسامة بن لادن ومحمد عمر وزر كل ما حدث. لذلك، تسعى الولايات المتحدة الى تخريجة اخرى، توصل تنظيم القاعدة بالنظام في العراق وقد بدأت تروج لهذه المقولة بقوة بعد امتناعها عن استخدام حق النقض تجاه القرار الخاص بمطالبة الكيان رفع الحصار عن مقر رئيس السلطة الفلسطينية. تعتقد الادارة الاميركية ومستشاروها ان اسقاط النظام السياسي في العراق هو المدخل لوضع حلول «جذرية» للمنطقة العربية برمتها، وفي مقدمتها ادخال الكيان الصهيوني في النسيج الاقتصادي والسياسي والاجتماعي للمنطقة وترجمة افكار شيمون بيريز، المتعلقة بالشرق الاوسط الجديد، على الارض. وحيث ان ذلك يتطلب تركيع دول المنطقة دون استثناء، بما فيهم اصدقاء واشنطن، فان الادارة الاميركية تعمل على الاولوية العراقية لتعبيد الطريق نحو فرض المرئيات التي تراها في حل القضية الفلسطينية، وفي ضوء التحرك، هذا تبرز المسألة الانتخابية الاميركية كمحطة رئيسية يجب الوصول اليها بشعبية «جمهورية» تضمن الغلبة للادارة الحالية وتبعد الديمقراطيين عن المنافسة. لكن البيت الابيض لم يتوقع انحسارا اوروبيا ودوليا في مسألة التأييد «لضرب منابع الارهاب». فبعد التحركات التي قامت بها قوى الضغط المجتمعية في اوروبا، اضطرت بعض الحكومات الأوروبية التي ايدت بالمطلق واشنطن في توجهاتها، الى التخلي والتراجع عن هذه المواقف، مشددة بالموقف الالماني الذي يقوده المستشار «شرويدر» الرافض لمشاركة المانيا في الحرب ضد العراق، ناهيك عن الموقف الروسي والفرنسي اللذين ينطلقان من مصالح استراتيجية في هذه المسألة. وواشنطن المسكونة بهاجس اسقاط نظام بغداد باعتباره هدفا مرئيا يحول الفشل في محاربة الاشباح الى نجاح في ضرب مواقع يمكن رصدها بالرادار وتدميرها بالطائرات.. واشنطن هذه بدأت تعيش في ارباك الخذلان الاوروبي لمواقفها، وبدت حالة العصبية لديها في التصاعد، فلم تتردد عن اتهام ايران باحتضان معسكرات تدريب لتنظيم القاعدة باعتبارها احد اضلاع محور الشر الى جانب العراق وكوريا الشمالية، الامر الذي يعقد الموقف بالنسبة لحلفاء واشنطن في اوروبا والمنطقة الغربية. في هذه الاثناء تجد تل ابيب فرصة ذهبية لا تعوض. فهي في الوقت الذي تسير فيه نحو تدمير ما تبقى من اتفاقات والتزامات وقعت عليها في اوسلو وكامب ديفيد، فهي تجد نفسها مهووسة بقضية رئيسية بالنسبة لها تتمثل في تجذير الحل العسكري والامني والقضاء على اية افاق لحلول سياسية، وهي تنطلق في ذلك لتحقق اهداف اجمع عليها الليكود والعمل ازاء رفض الدولة الفلسطينية وخلق بؤر وجزر معزولة للفلسطينيين تسيجها مستوطنات وطرق التفافية تقطع اوصال الضفة الغربية وتبعد احتمال اقتراب الدولة ان فرضت على تل ابيب من القدس. واشنطن مشغولة ومسكونة بالنظام في العراق، وتل ابيب غارقة في الدماء التي تزهقها في الاراضي المحتلة دون افق لانتصارها البشري، بينما بعض النظم العربية تتحسس شعورها بعد وصول الشفرة لجيرانها، ضمن حالة هيستيرية على الجميع، لا يعرف مستشارو البيت الابيض كيف يخرجون منها، خاصة في ظل المعلومات الصادرة عن مكتب الاحصاءات الاميركي والتي تؤكد اتساع الركود الاقتصادي وتدني الدخل ووجود اكثر من ثلاثة وثلاثين مليون اميركي تحت خط الفقر، الامر الذي يضع الادارة الاميركية في موقف حرج، تحتاج لمبررات قوية من اجل تصديره للخارج. ولم تجد افضل من بريطانيا عونا لها حيث تقترب مواقف البلدين من التطابق في مسألة الارهاب وضرب العراق، لكن الاخيرة لم تتمكن من اقناع مواطنيها واعضاء برلمانها من ان التقرير الذي جمعت معلوماته المخابرات البريطانية كاف لاتخاذ موقف عملي وحاسم لضرب العراق. يضاف الى ذلك موقف الرأي العام الخليجي الرافض لضرب العراق، حيث اكد تقرير صادر عن الكونغرس الاميركي، ان الموقف الشعبي في دول مجلس التعاون ضد توجيه ضربات او شن حرب على العراق تحت اية ذرائع. وبين الحالة العراقية والحالة الفلسطينية يقف النظام الرسمي العربي عاجزا عن الاقدام على اية خطوة تدرء الخطر عن المحاصرين في العراق وفي فلسطين التي تحيي الذكرى الثانية للانتفاضة الشعبية بتقديم مزيد من القرابين ومزيد من الاصرار على مواصلة العمل لتحقيق الاستقلال الناجز فرغم القتل والدمار لم يركع طفل فلسطيني لدبابة صهيونية، ولم يقض الحصار على العمليات الاستشهادية في الكيان. لكن السؤال الاهم يتمحور حول سكون الشارع العربي وفرجته هو الاخر على ما يجري في العراق وفلسطين! ـ كاتب بحريني