الاحد 22 رجب 1423 هـ الموافق 29 سبتمبر 2002 في سابقة مثيرة للاهتمام نشرت صحيفة (الأهرام) القاهرية مقالاً كتبه السفير الأميركي في مصر (ديفيد وولش) ينتقد فيه بعض الكتاب والمثقفين المصريين على ما أبدوه من آراء في ذكرى الحادي عشر من سبتمبر لا تتوافق مع رأى الإدارة الأميركية. وما أثار ثائرة السفير هو أنه رأى في هذه المناسبة مقالات لكبار الكتاب في صحف ومجلات مصرية بارزة ألمحت الى مسئولية حكومات أو جماعات ـ بخلاف تنظيم القاعدة ـ عن تلك العمليات الارهابية، وان الاعلام المصري أعطى اهتماما كبيرا ومصداقية لكتاب فرنسي يقول السفير انه قد تم دحض (ادعاءاته) جملة وتفصيلا. ويزداد غضب السفير لانه في نفس يوم احياء ذكرى فجيعة الحادي عشر من سبتمبر أخذ أستاذ علم اجتماع بارز على مدار نصف ساعة في محاضرة مفتوحة للعامة يحاول القاء ظلال من الشك حول مسئولية تنظيم القاعدة، ذاهبا الى حد توريط الحكومة الأميركية مؤكدا استفادة الولايات المتحدة من هذه الهجمات. وبعد أن يؤكد السفير الثائر انه لا يوجد على الساحة الآن أي جدل جدي حول مسئولية (القاعدة) عن أحداث الحادي عشر من سبتمبر. ويشير الى (الكم الهائل من الأدلة) التي لا يقول ما هي؟ يشير الى اعتراف تنظيم (القاعدة) بمسئوليته عن الجريمة في تلك اللقاءات التي اذاعتها محطة تلفزيون (الجزيرة) أخيرا. وفي نهاية المقال الخطير يبدأ السفير في توبيخ الكتاب والصحفيين المصريين لانهم اما يعتمدون على مصادر معيبة ومغلوطة، أو لا يتوخون الدقة في الكتابة ثم يعطي درسا في المهنة وتوجيها لرؤساء التحرير فيقول: انه لمن المحزن ان مثل هذه الاستهانة بالحقائق في مسألة خطيرة كتلك من الممكن ان تلحق الضرر بسمعة الاعلام المصري في أعين العالم. لذا أتمنى (يقول السفير) أن يأخذ رؤساء التحرير في الاعتبار عند مراجعتهم المقالات قبل نشرها. فالاعلام المسئول يجب ـ كما يؤكد السفير ـ ان يكرس لنشر الحقيقة وليس الأكاذيب، ويتعين على الناس معرفة الفارق. منطق القوة الغاشمة وقد سارعت نقابة الصحفيين المصريين بالرد على مقال السفير، كما تعرض لحملة هجوم أدانت سلوكه، وربطت بين مقاله في (الاهرام) وبين هجومه السابق على قضاء مصر وادانته للحكم الذي صدر بسجن الدكتور سعد الدين ابراهيم الذي يحمل الجنسية الأميركية بجانب جنسيته المصرية. وإذا كان السفير قد عاد وأبدى تقديره واحترامه للصحافة المصرية، فإن القضية لم تنته، وما كتبه السفير يستحق النقاش من أكثر من جانب، ويستحق الالتفات من كل المثقفين المصريين والعرب لما يحمله من دلالات خطيرة. ولا شك انه من حق السفير الغاضب ان يعترض على التشكيك في مسئولية تنظيم (القاعدة) عن أحداث سبتمبر، لأن ذلك ينزع الشرعية من الحرب التي شنتها أميركا ومازالت تخوضها ضد افغانستان. ومع أن الأحداث قد تجاوزت هذه النقطة بكثير، الا انه ليس من حق أحد أن يصادر حق الآخرين في البحث عن الحقيقة، وخاصة اذا كانت الولايات المتحدة في هذه النقطة قد تركت العديد من التساؤلات بلا أجوبة حتى الآن، لقد أعلنت الولايات المتحدة الحرب الصليبية المقدسة كما وصفها الرئيس بوش بعد أحداث 11 سبتمبر، وبدأت الحرب ضد افغانستان وتنظيم القاعدة باعتبارها (المشتبه فيه الرئيسي) بالقيام بهذه العمليات. ودعت الولايات المتحدة دول العالم كلها الى اللحاق بها في هذه الحرب أو أن تصبح في معسكر الارهاب وذلك دون أن تطلع أحدا على ما تقول انها الوثائق الدامغة على هوية المسئولين عن الحادث الاجرامي. واعتقلت الولايات المتحدة الآلاف باعتبارهم مشاركين في المسئولية ومازالوا معتقلين في اسوأ الظروف ودون محاكمة. ولم يجد السفير في النهاية ما يسوقه دليلا الا برامج قناة (الجزيرة) التلفزيونية وما حوته من اعترافات منسوبة لقيادات (القاعدة). ولا يعني هذا اننا ننفي مسئولية (القاعدة) المفترضة عن الحادث، ولكننا نشير الى عدة حقائق: ـ إن من حق الجميع ان يبحث عن الحقيقة، خاصة اذا كانت بعض عناصرها مازالت غائبة. ـ إن الحرب التي خاضتها الولايات المتحدة كانت ـ ومازالت ـ ضد مشتبه في قيامهم بهذا الحادث، وليس ضد مدانين بارتكابه. وقد يكون هؤلاء بالفعل هم الجناة.. بل ان هذا هو الأرجح. ـ إن الولايات المتحدة الأميركية تريد ان تجعل من هذا أسلوبا في تعاملها الدولي. وهي الآن لا تملك دليلا على امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل، ولكنها تريد أن ترغم العالم على اعطائها تفويضا بتدمير العراق لأنها (تشتبه) مجرد اشتباه في امتلاكه لهذه الأسلحة. والخطورة هنا ان الولايات المتحدة قد طورت الأمر ليصبح استراتيجية ثابتة في اطار ما أسمته حقها في توجيه (الضربات الاستباقية) ضد كل من ترى أنه قد يمثل خطرا عليها أو تشتبه ـ مجرد اشتباه ـ في أنه قد يكون خطرا على أمنها. وهو الأمر الذي يحيل العالم الى غابة لا تحكمها شرعية أو قانون ـ ولا يسيطر عليه الا منطق القوة الغاشمة. والنقطة الجوهرية الثانية التي يكشف عنها مقال المسئول الأميركي في (الاهرام) هي هذه الغطرسة التي تريد الولايات المتحدة الأميركية فرضها أسلوبا للتعامل مع العالم. هذه الغطرسة التي تتحول الى استهانة عندما يتعلق الأمر بالعرب والمسلمين. فوفقا لآخر تجليات اللوبي الصهيوني المسيطر على الإدارة الأميركية، فإن العرب ثم المسلمين هم متهمون بالارهاب والتخلف ومدانون بالتعصب، ومن هنا فلا يحق لهم ان يسألوا أو يناقشوا، وانما عليهم ان يخضعوا للعلاج الأميركي الذي يبدأ من حرب الابادة التي تجري على أرض فلسطين لتمتد بعد ذلك الى العراق ـ وانتهاء باعادة تأهيل المجتمعات العربية ـ في ظل الخريطة الجديدة للمنطقة ـ بتعليمها أصول الديمقراطية وتغيير مناهجها التعليمية واعادة صياغة ثقافتها بعيدا عن خرافة العروبة وتعصب الاسلام(!!) كما يصور الجهل والغطرسة للمهاويس الذين يتصورون في واشنطن انهم يخوضون حربا صليبية جديدة ضد العرب والمسلمين الذين أصبحوا يمثلون محور الشر وفقا لرؤية الرئيس الأميركي، والذين تتحمل الولايات المتحدة مهمة (تحريرهم) وادخالهم الى عالم الديمقراطية الأميركي كما تبشرنا مسئولية الأمن القومي الأميركي كوندوليزارايس! اعادة رسم الخريطة ووفقا لهذه الرؤية فإن كل الساحة العربية هي أرض مستباحة للإدارة الأميركية. فمن ناحية على الحكومات العربية أن تلتحق ـ بلا قيد أو شرط ـ بكل ماتقرره أميركا فإذا لم تفعل فالعقاب الأميركي جاهز والغضب الذي يبدأ بتصريحات السفراء أو مقالات كتاب المخابرات الأميركية لا يعرف أحد إلى أين ينتهي! ومن ناحية أخرى فإن جدول (الاصلاحات)!! الأميركية لا يتوقف عند حد. واذا كانت الدول العربية لا تريد ان تبقى ضمن لائحة الاتهام بالارهاب فعليها ان تقدم موافقتها المسبقة على الجدول الأميركي وان تقبل بكل مافيه حتى ولو كان من نوعية انهاء دور الرئيس الفلسطيني عرفات واذلاله تحت الحصار، أو اسقاط النظام في العراق حتى لو قبل كل القرارات الدولية باعتباره ـ بعد عشر سنوات من الحصار والتجويع ونزع السلاح ـ يمثل خطرا داهما على أمن أميركا! وإذا كان الدور بعد ذلك على سوريا ولبنان، فإن المهمة الأميركية المقدسة لن تنتهي بذلك، وقد لخص التقرير الشهير الذي أعده معهد (راند) الأميركي للدراسات الاستراتيجية وتمت مناقشته داخل البنتاغون، وتم تسريب بعض (وليس كل) مافيه. لخص الموقف بالآتي: الهجوم العسكري على العراق هو هدف تكتيكي، أما الهدف الاستراتيجي فهو السعودية، والجائزة الكبرى هي مصر!! فالمطلوب هو وطن عربي مستباح، وخريطة أميركية تعيد تقسيمه، وسيطرة أميركية على كل ثرواته وأراضيه ومقدراته.. وفقا لهذه الرؤية لا مكان لمن يعارض بل لا مكان لمن يسأل أو يبحث عن الحقيقة. والنقطة الجوهرية الثالثة في مقال السفير الغاضب هو كشف زيف كل دعاوى الدفاع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان. فالسفير الديمقراطي يطلب بكل وقاحة تقييد الحريات الصحفية ويحرص على فرض القيود على الصحفيين المصريين ويطالب رؤساء التحرير بأن يضعوا مايقوله في اعتبارهم عند مراجعتهم المقالات قبل نشرها، والحمدلله انه لم يطلب عرض المقالات على مسئولي السفارة ليقرروا صلاحيتها للنشر من عدمه!! هذه الغطرسة بقدر ماتكشفه من عنجهية يتصور بها السفير الأميركي انه المندوب السامي الذي كان يحكم مصر باسم الاحتلال البريطاني قبل الاستقلال، بقدر ماتكشف حقيقة الديمقراطية الأميركية المزعومة التي تقول واشنطن انها ستفرضها على العرب والمسلمين بعد (تحريرهم) من ثقافتهم وربما من ديانتهم (!!) كما يتوهمون. انها الديمقراطية التي تسمح بإبادة الشعب الفلسطيني، وتعتبر شارون رجلا للسلام، وتستعد لتدمير العراق وتقول علنا انها لن تتعامل مع عرفات حتى ولو انتخبه الشعب الفلسطيني رئيسا له مرة أخرى في انتخابات لا تحيط بها الشبهات التي أحاطت بانتخاب الرئيس الأميركي نفسه! سقوط الامبراطوريات غطرسة السفير الأميركي تكشف نوع الديمقراطية التي تبشرنا أميركا بأنها ستفرضها على العرب بعد (تحريرهم).. وانها ديمقراطية أن توافق مسبقا على كل ماتريده الادارة الأميركية، وأن يكون للعرب جميعا حق التسول أو التوسل، وأن ينعموا بالرضا الأميركي ماداموا بلا حول ولا قوة.. والا فإنهم في محور الشر وبين دعاة الارهاب! وقاحة السفير الأميركي في مصر، وقبلها وقاحة السفير الأميركي في بيروت وتدخله في شئون لبنان وهجومه على المقاومة اللبنانية، وقبل الاثنين وبعدهما وعنجهية مسئولين كبار في الادارة الأميركية.. من رامسفيلد، الى رايس، الى الرئيس الأميركي نفسه الذي تحدث ذات يوم عن الاسلام كدين سيئ(!!) لا تكشف فقط عن غطرسة وجهل وتعصب تحكم القابضين على السلطة في واشنطن، ولا تكشف فقط عن زيف كل دعاوى واشنطن عن دفاعها عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، ولكنها تفسر مايقوله باحث اسرائيلي هو البروفيسور ايهود شفيرينسك الباحث بمعهد هرتزليا في اسرائيل والذي عاد من سلسلة مقابلات مع المسئولين في البنتاجون الأميركي ليقول: يمكن تلخيص رؤيتهم في جملة واحدة: هم يعتقدون ان العالم العربي مجتمع من المتخلفين الذين لا يفهمون سوى لغة القوة!! انها الحقيقة العارية التي تكشف ان القوة الأعظم في العالم، بل وفي التاريخ، قرأت جيدا كيف تقوم الامبراطوريات، ولكنها لم تقرأ كيف تسقط بعد ذلك! ـ نائب رئيس تحرير «أخبار اليوم» المصرية