الاحد 22 رجب 1423 هـ الموافق 29 سبتمبر 2002 ترى هل جنت علينا التكنولوجيا، واخذت منا او من بعضنا اعز ما نملك او ما يملكون من خصائص الشخصية الانسانية المدركة لتصرفاتها، والمنسجمة مع ادوارها المختلفة. والتي لديها القدرة على ان تقتني بمشاعر اقرب الناس اليها، وتمنحهم مساحة من الوقت والاهتمام الذي يستحقونه؟ ام فقد الكثيرون القدرة على ممارسة ادوارهم الاجتماعية على النحو الامثل، واصابهم الخلل والارتباك في رسم خطوط واضحة لعلاقاتهم المختلفة دون ان يحدث تداخل او سطو من احدى العلاقات على حقوق الاطراف الاخرى؟ وهل فقد انسان هذا العصر قدرته على الاتصال الفعّال نتيجة ارتباطه بوسائل الاتصال الحديثة، واستسلامه لتطفلها اللامحدود على حياته الخاصة، الى الدرجة التي اضعفت من اثر وجوده الجسدي مع عائلته وجعلته اسير العادة التي ادمن الوقوع بها وهي الرد الدائم، والاذعان الفوري لنداءات النقال التي لا تنتهي، ورسائله التي لا تكف عن الظهور على شاشة المحمول؟! ان الشيء المثير للقلق في سياسة الباب المفتوح التي ينتهجها رواد الرد السريع على كافة مكالمات المحمول، ومحترفو الخدمة الفورية في الاجابة على الرسائل الهاتفية ان العائلة هي اول المتضررين من هذه العلاقة الموغلة في الافراط بين الفرد وهاتفه الاثير لديه، الذي لو فقده ـ لا سمح الله ـ في لحظة من الليل او النهار فانه سيصاب بحالة من الحزن الشديد الذي يخشى عليه من آثارها الوخيمة طالما ان ادمان الثرثرة على الهاتف المحمول صار شيئاً يسري في عروقه، كما انه لا يقدر على فراقه او استبداله بهواية اخرى تكون اكثر جدوى وفائدة من استقبال الرسائل والرد على الخطوط الساخنة. وقد حملت ذاكرتنا منذ الصغر درساً في قيمة التعامل مع الواجبات والزمن، مفاده ان كل افراط يقابله تفريط، وان كل ميل باتجاه عادة من العادات يقابله اخلال بوظيفة حيوية من وظائف الحياة المتعددة الالوان والاوجه التي لا تفتأ تطالب الفرد بحقها شاء ذلك ام ابى؟! ومن اسوأ نتائج عادة الارتباط الشديد بالهاتف المحمول ان تسوء اخلاق الرجل اذا ما طلبت منه الزوجة ان يمنحها ويمنح ابناءه ساعة في اليوم لا يستقبل فيها او يرسل خلالها اي مكالمة هاتفية!! والغريب حقا ان يغفل الاب او الام اللذان شغفا بالثرثرة الهاتفية عن مراجعة سلوكهما المذكور، وعن اجراء تقييم اسبوعي او شهري لذلك الاهمال الشديد لحاجات الابناء الى التحدث مع آبائهم دون وجود قواطع، وفواصل، تفسد احاديثهم الودية، وتعكر يومهم، وتشعرهم بأنه ليس لهم من وقت آبائهم الا القليل، والذي لا يتجاوز كونه فضولا في الوقت المرهون لاحاديث المحمول وعلى هذا المنوال، ومع الاعتياد على عدم التركيز اثناء الوجود مع الابناء والتحدث معهم، تتضاءل الفائدة المكتسبة من هذه اللقاءات المرتجلة وتنعدم الثقة في امكانية اجراء احاديث فعالة وذات مردود تربوي واسري يمكن التعويل عليه في احداث تقارب نوعي بين افراد الاسرة الواحدة والسؤال الذي يطرح نفسه لماذا يريد الفرد ان يكون مثاليا في نظر الناس، ولا يمانع ابداً ان يكون فرداً عاديا في نظر اهل بيته؟ وهل انقلبت موازين العلاقات الى الدرجة التي لا يستطيع الفرد فيها ان يعتذر لمن هم في الخارج عن المزيد من المجاملات بينما يضع مختلف انواع الاعذار اذا ما طالبه افراد العائلة ان يقارب الوقت الذي يمنحه لهم بالوقت الذي يمنحه لتلك العلاقات الاخطبوطية التي مهر فيها فرسان الكلام، وهواة الاحاديث الودية التي تقال في المنتديات والتجمعات العامة وتجف في حلوق اصحابها اذا ما عادوا للدار والعيال؟ وهل هذه الممارسات علامة صريحة على نقص الثقة بالنفس، ومحاولة الحصول على اعجاب الآخرين وودهم حتى لو كان على حساب البيوت ومن فيها؟ وهل يمكن لأب ان يحسن تربية ابنائه وهو لا يحسن ادارة وقته ولا تنظيم علاقاته، ولا التعبير عن اراداته في ان يكون ابا مثالياً يشارك اسرته همومها وقضاياها وتفاصيل حياتها اليومية؟ انها انتهاكات صريحة لحقوق الاقارب والارحام اذا ما كان الفرد من اكفأ الناس في علاقته بالمجتمع الخارجي ومن اعجزهم في الحفاظ على مشاعر اهل بيته الذين ينتظرون منه الكثير!!