الاحد 22 رجب 1423 هـ الموافق 29 سبتمبر 2002 تعاطف سياسيات غربيات أكثر من السياسيين مع بعض قضايانا المركزية يستوجب طرح سلسلة من الأسئلة بغية استجلاء أسباب النجاح وسط النساء والإخفاق في معسكر الرجال. ما الذي دفع ـ مثلاً ـ امرأة ألمانية تتولى حقيبة العدل في برلين أن تصرخ في وجه أميركا على نحو يفقدها مقعدها الوزاري وسط عاصفة سياسية محمومة أفقدتها كذلك مقعدها البرلماني؟! هكذا دفعت هيرتا دوبيلر غميلين ضريبة باهظة لمّا شبّهت حملة بوش إزاء العراق بأفعال النازي هتلر. إدارة بوش لم تحتمل صرخة الوزيرة الألمانية فاغتنمتها فرصة لصب الزيت على النار المشتعلة بين واشنطن وبرلين. الوزيرة الألمانية لم تكن استثناء اوروبياً نسائياً بل جاءت ضمن كوكبة من السياسيات المتعاطفات مع قضايا عربية عادلة او احتجاجاً على مواقف أميركية ظالمة تجاهنا. وزيرة الخارجية السويدية آنا ليند اعلنت هي الأخرى انحيازها للحقوق العربية المشروعة واستنكارها للدعم الأميركي الصارخ لممارسات شارون الدموية والتدميرية. التواطؤ المكشوف بين بوش وبلير تجاه بؤرتي الأزمة في الشرق الأوسط، فلسطين والعراق لم يمنع الوزيرة البريطانية كليبر شورت من معارضة بلير وتوجيه انتقادات حادة لإدارة بوش ووصفها بالاستبداد ورأت في ذلك اصراراً على التفرد بإدارة شئون العالم. الخروج عن طاعة بلير لم يكن وقفاً على نساء حكومته بل طال بيته. حتى شيري زوجته لم تستطع اخفاء تعاطفها مع الشعب الفلسطيني وأعلنت تفهمها التام لدوافع الاستشهاديين وشرعية تفجير أنفسهم في مواجهة الماكينة العسكرية الاسرائيلية المدمرة. جرأة شيري اضطرت زوجها ووزير خارجيته جاك سترو لمجاراتها في سياق جهد حكومي بريطاني لاحتواء الزوبعة التي فجرتها تصريحات شيري داخل أروقة لندن السياسية. موقف سيدة 10 داوننج ستريت كان مشابهاً لموقف هيلاري كلينتون ساكنة البيت الأبيض السابقة التي أكدت ذات مساء علناً قناعتها بحق الفلسطينيين في اقامة دولتهم الحرة المستقلة. غير ان السناتورة الطامعة في العودة إلى البيت الأبيض مصطحبة كلينتون بعد ان اصطحبها هو سابقاً اضطرت الى لحس تصريحها وابتلاع موقفها بل واستبداله بتوجه مناقض تماما. واذا كنا ـ نحن ـ نتفهم تراجع هيلاري وانكسارها انطلاقاً من استيعابنا لحجم الضغوط والاغراءات الصهيونية فاننا ندرك في الوقت ذاته قدرة هيلاري على الانحناء دائماً أمام الضغوط حتى من الصبايا لكن ذلك لا يحرمنا من اطراء جرأتها التي حملتها لاعلان موقفها الأول. لكن لماذا التعاطف الغربي الناعم الثابت منه والخجول؟ ولماذا تحقق قضايانا تقدماً وسط السياسيات الغربيات وتصيب جموداً لدى الرجال؟ بالتأكيد ليس للفحولة يد في القضية. الاتفاق على هذه القناعة يريحنا من مزايدات لا طائل من ورائها. من شأن العزف على هذا الوتر توليف انغام مخيبة للآمال مثل حكاية الوزير الذي حاول التحرش بنظيرته الغربية الزائرة. الأفضل للقضية مقاربة الاسئلة من بوابات غربية. ربما نجد في طبيعة المرأة الغربية ما يعيننا على بلوغ اجابات مقنعة. فبالاضافة إلى عاطفتها ـ مثل كل النساء ـ فلدى السياسية الغربية من القدرة العقلية ما يمكنها من الفرز بين الحق والباطل ثم لديها الجرأة على الإعلان وهي تفضل ان تربح نفسها على ان تخسر موقفها. كما في كل الحالات لا يمكن تعميم الاحكام ـ ليس كل سياسيات الغرب يتميزن بتعاطف مع قضايانا ـ لكن ما من امرأة ناصبتنا العداء مثل كوندوليزا رايس. حتى مادلين اولبرايت كانت تتأرجح وحين تتوغل في الجنوح ضدنا تكتسي لباقة لكن هذه المرأة الخلاسية تجردت من كل خطوط الحياء في العداء المستحكم وكأنها مصممة على بناء مجدها السياسي على حطام شرق اوسطي، اذ تتعمد وهي تعبر عن مواقفها العدائية البجاحة.